المدخل إلى البحث

للبحث العلمي أغراضاً متعددة اختصرها صاحب الأحوذي بالعبارة الموجزة التالية “ولا ينبغي لمصنف يتصدى إلى تصنيف أن يعدل إلى غير صنفين: إما أن يخترع معنى، أو يبتدع وضعاً ومبني، وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد للورق، والتحلي بحلية السرق”.

 

أما العلموي فقد ذكر أن عبارة صاحب الأحوذي لا تتعارض مع ما ذكره بعضهم من أن رتب التاليف سبعة: “استخراج ما لم يسبق إلى استخراجه، وناقص في الوضع يتمم نقصه، وخطأ يصحح الحكم فيه، ومستغلق باجحاف الاختصار يشرح أو يتمم بما يوضح استغلاقه، وطويل يبدد الذهن طوله يختصر من غير إغلاق ولا حذف لما يخل حذفه بغرض المصنف الأول، ومتفرق يجمع أشتات تبدده على أسلوب صحيح قريب، ومنثور غير مرتب يرتب ترتيباً يشهد صحيح النظر إنه أولى في تقريب العلم للمتعلمين من الذي تقدم في حسن وضعه وترتيبه وتبويبه”.

 

 

وهناك أيضاً من أورد هذه الأغراض بعبارات تزيد أحياناً وتنقص أخرى، ومختلفة في اللفظ، ولكنها متفقة في المضمون مع العبارات السابقة فقد قصرها بعض العلماء على الأغراض الثمانية التالية:

 

اختراع معدوم، أو جمع مفترق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، أو تهذيب مطول، أو ترتيب مخلط، أو تعيين مبهم، أو تبيين خطأ.

 

والمتصفح لهذا الكتاب يرى أنه استهدف تحقيق عدد من تلك الأغراض عدا الهدف الأول.

 

فوجود كم هائل من كتب المنهجية باللغة العربية وغيرها من اللغات يخرج الهدف الأول “استخراج ما لم يسبق إلى استخراجه” من مقاصد إعداد هذا الكتاب، ولكن الناظر إلى ذلك الكم بمجمله، والمتصفح له يرى تبايناً بين مفرداته، فهذا كتاب يوجز ما يجب الأطناب فيه، وهذا آخر يُفصل مالاً يتطلب المقام تفصيله، وثالث يتعمق في عرض الجانب الفلسفي، ورابع يترجم ترجمة حرفية لكتاب أجنبي ويسميها تأليفاً، وخامس يؤكد ضرورة التناسق بين عدد صفحات الفصول وكأن الباحث عبارة عن يقال يجب ألا يبخس الكيل أو الوزن…إلخ.

 

والذي قُدر له تدريس أحد مقررات المنهجية النظرية أو التطبيقية في الجامعات أو المعاهد المتخصصة هو وحده الذي يدرك المساهمة الكبيرة التي ساهم بها علماء المنهجية لتوضيح غامضها وتذليل صعبها من خلال ما ألفوه من كتب تزخر بها المكتبة العربية وتتوالى واحداً بعد الآخر.

 

ولكنه أيضاً هو وحده الذي يدرك – من جانب آخر – جوانب النقص فيها من خلال إطلاعه عليها وتفحصه لها. وبذلك يتولد لديه الإحساس بالحاجة الملحة للمزيد من الاستمرار في هذا الطريق سعياً للوصول إلى كتاب مدرسي [Text Book] يشتمل على ما يتطلبه الباحث المبتديء الذي ينشد المعرفة ليطبقها، وكذلك الأستاذ الذي يسعى لتوجيه طلابه لكتاب يساعدهم على تحقيق أهداف المقرر الذي يدرسه لهم.

 

 

 

ومن حسن الطالع أنني قمت بتدريس المنهجية نظرياً وتطبيقاً لطلبة الدراسات العليا لسنوات عدة فاستفدت من المحاولات السابقة والكتب المؤلفة وبدأت بها، ولكنني أيضاً أدركت – من خلال اطلاعي عليها ورجوعي لها – مدى الحاجة إلى استمرار التأليف في المنهجية لإكمال المسيرة التي بدأ بها من ألف في هذا المجال لا تكراراً وإنما محاولة لبلوغ الكمال وسعياً لترسم معالم الطريق الصحيح الذي يجب أن تكون عليه المنهجية تأليفاً وتدريساً.

 

ومن هنا فقد عقدت العزم على السير في هذا الطريق وإن طال فاستهدفت من رواء عملي هذا تحقيق الأغراض التالية:

  • جمع مفترق.
  • تكميل ناقص.
  • تفصيل مجمل.
  • تهذيب مطول.
  • ترتيب مخلط.
  • تعيين مبهم.

 

ولتحقيق هذه الأغراض على الوجه الأكمل فقد سلكت منهجاً في التأليف اختص بخصائص تميز هذا الكتاب عن غيره من كتب المنهجية التي سبقته، ومن أبرز تلك الخصائص ما يلي:

 

أولاً: الإجرائية:

فلا النظرية أغفلت ولا التطبيق نقص، وإنما حاولت جاهداً أن يتضمن العرض من النظرية ما يلزم لتوضيح كيفية التطبيق.

 

ثانيا: الحداثة:

محاولاً في ذلك الاستفادة من آخر الاتجاهات في النظرية والتطبيق معاً دون إغفال للجذور التاريخية لتلك الاتجاهات.

 

 

 

 

ثالثاً: التوثيق والأمانة العلمية:

مما يكفل لأهل الفضل ممن سبقوني في التأليف فضلهم، وكذلك مما يُبصر القاريء بالمحاولات السابقة ليتمكن من إرواء ظمأه في نقطة حاولت أن أروي ظمأه فيها ولكن لم يخالفني الحظ لذلك.

 

رابعاً: العرض المبسط:

بلغة سهلة ولكنها غير مبتذلة، ويدركها الطالب، ويمكن أن يتعمق في شرحها الأستاذ.

 

خامساً: الشمولية:

فقد اشتمل الكتاب على الأركان الثلاثة الأساسية للعملية البحثية (خطواتها، مناهجها، أدواتها)، وفي هذا توفير لوقت القاريء الذي لا يرجع – غالباً – لمثل هذا النوع من التأليف إلا لمزيد من المعرفة حول تلك الأركان.

 

لعل هذه الخصائص التي اختص بها إعداد هذا الكتاب تكشف عن الغايات النبيلة التي حاولت تحقيقها من خلال تأليفي لهذا الكتاب، بل وتكشف عن مدى المعاناة التي عانيتها لتحقيقها.

 

ولكني مع هذا كله أقر بأن ما أعددته يُعد جهداً بشرياً، والجهد البشري مهما حاول الكمال فسيبقى معرضاً للنقص وتعتريه جوانب قصور متعددة تفرضها الطبيعة الإنسانية.

 

وهذا دون أدنى شك يفسح المجال لمن لديه الهمة العالية والعزيمة الصادقة لإكمال المسيرة ومحاولة الدفع بها إلى الأمام للوصول إلى الغاية المنشودة التي تتطلع لها الأجيال القادمة من الباحثين.

 

فعزائي أولاً وأخيراً أنني حاولت، بل وحاولت جاهداً فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فأرجو أن يكتب لي أجر المجتهدين.

———————————————————————————————————————–

لتنمية مهاراتك وللحصول على دورات مجانية و منح دراسية و شهادات معتمدة يمكنك التسجيل بـ سيرتيفياند

Comments

comments