المقابلة

تتعدد أدوات البحث وتتنوع، وتتعدد معها مميزاتها وعيوبها، فما تمتاز به أداة قد يكون عيباً فيما سواها، وما يلائم موقفاً قد لا يكون مناسباً لموقف آخر.

 

وهذا التعدد أمر طبيعي تحتمه الظاهرة المدروسة – الظاهرة الإنسانية – فالأداة التي يكمن أن تقيس استجابة معينة قد لا تكون مناسبة لقياس استجابة أخرى… وهكذا.

 

ومن هذا المنطلق أصبحت المقابلة – رغم ما يكتنف تصميمها وإجرائها من الصعوبات – تعد أحد أدوات البحث التي يمكن بها قياس بعض الاتجاهات ومعرفة الأسباب الكامنة وراء سلوك إنساني معين قد يتعذر قياسها ومعرفتها بواسطة أداة أخرى.

 

فمثلاً قد تكون عينة البحث أطفالاً، وقد تكون بالغين ولكنهم أميين، مما يستدعي تطبيق المقابلة لقياس مدى استجابتهم للموقف المراد بحثه.

 

وقد تكون مشكلة البحث ذات صفة خاصة أحياناً حيث يصعب على أفراد العينة الأدلاء بالمعلومات كتابة أو حتى مباشرة مما يحتم مقابلتهم وجهاً لوجه ومحاولة اكتشاف الحقيقة ولو بطريق غير مباشر.

 

وبهذا أصبح كلاً من طبيعة البحث، ونوعية أفراد العينة، معيارين أساسيين يجب أخذهما في الاعتبار عند تقرير تطبيق المقابلة بدلاً من غيرها من أدوات البحث.

 

ومما يساعد على تطبيق المقابلة وإجرائها إجراء يحقق الهدف منها ويستفيد من مميزاتها ويتلافى عيوبها وعي المقابل (بكسر الباء) بحقيقة المقابلة، مفهوماً، وتصميماً، وإجراءً، واحتباراً قبل أن يُقدم على تطبيقها.

 

وهذا ما يحاول هذا البحث تحقيقه ليكون رافداً من الروافد التي تحقق ذلك الوعي بالمقابلة لدى من يتعين عليه تطبيقها.

 

 

 

  • المفهوم:

هناك تعريفات متعددة للمقابلة في ألفاظها وتتحد في مدلولاتها، فقد أورد حسن (1982م) عدة تعريفات للمقابلة من مصادر مختلفة، ومن بين ما أورده:

 

تعريف بنجهام الذي يعرف المقابلة بأنها “المحادثة الجادة الموجهة نحو هدف محدد غير مجرد الرغبة في المحادثة لذاتها”.

 

وتعريف إنجلش وإنجلش الذي يقول بأن المقابلة “محادثة موجهة يقوم بها شخص مع شخص آخر أو أشخاص آخرين، هدفها استثارة أنواع معينة من المعلومات لاستغلالها في بحث علمي أو للاستعانة بها في التوجيه والتشخيص والعلاج”.

 

وتعريف جاهودا الذي يقول بأن المقابلة “التبادل اللفظي الذي يتم وجهاً لوجه بين القائم بالمقابلة وبين شخص آخر أو أشخاص آخرين”. وأخيراً تعريف ماكوبي وماكوبي للمقابلة بأنها “تفاعل لفظي يتم بين شخصين في موقف مواجهة حيث يحاول أحدهما وهو قائم بالمقابلة أن يستثير بعض المعلومات أو التعبيرات لدى المبحوث والتي تدور حول آرائه ومعتقداته”.

 

وكما هو واضح تماماً أن هذه التعريفات كلها وإن اختلفت في ألفاظها فهي تتركز حول هدف واحد وهو أن المقابلة هنا تختلف عن المحادثة الشخصية التي تتم بين الناس في حياتهم الاجتماعية نتيجة لتفاعلهم مع متغيراتها المتعددة. فهي – أي المقابلة – تتم أساساً لتحقق هدفاً محدداً يسعى إليه المقابل (بكسر الباء) ويدركه المقابل (بقتح الباء).

 

هذا ما تعنيه المقابلة بصفة عامة، أما المقابلة العلمية التي نحن بصدد الحديث عنها فهي أداة من أدوات البحث، يتم بموجبها جمع المعلومات التي تُمكن الباحث من إجابة تساؤلات البحث أو اختبار فروضه، وتعتمد على مقابلة الباحث للمبحوث وجهاً لوجه بغرض طرح عدد من الأسئلة من قبل الباحث والإجابة عليها من قبل المبحوث.

 

 

 

 

 

  • مميزات المقابلة وعيوبها:

مقابلة الباحث للمبحوث وجهاً لوجه بغرض جمع معلومات حول أسئلة البحث لها انعكاساتها السلبية والإيجابية على القيمة العلمية لتلك المعلومات. فكما أن الباحث يستطيع – بواسطة المقابلة – أن يوضح ويشرح ويحدد ما يريده من معلومات، إلا أن المقابل قد يحجم عن الإدلاء بالحقيقة نتيجة للمواجهة مع الباحث. كما أن الباحث يستطيع أن يتعمق في محادثته مع المقابل حتى يصل لما يريده، إلا أن المقابل أيضاً قد – نتيجة لهذا – يُفسر حرص الباحث ومحاولته للتعمق تفسيراً خاصاً يؤدي به إلى الشك في الهدف من المقابلة وبالتالي بحجم عن إعطاء المعلومات، أو يعمد إلى إعطاء معلومات غير دقيقة. وأخيراً فكما أن الباحث يستطيع أن يُكيف أسئلته طبقاً لحالة المقابل، إلا أن هذا أيضاً قد يؤثر على موضوعية المقابل، فقد يجنح هذا التكيف إلى التحيز لما يرى الباحث ويعتقد، وبالتالي تصبح الإجابة مجرد تأكيد لما يريد الباحث أن تكون.

 

وبهذا يمكننا القول بأن أهم مميزات المقابلة التي لا يمكن أن تتحقق باستخدام وتطبيق أداة أخرى من أدوات البحث هي:

 

  • التكيف: فعلى الرغم من احتمال التحيز فيه، إلا أنه يبقى أهم ميزة تمتاز بها المقابلة عن بقية أدوات البحث، فالباحث يستطيع أن يحصل على إجابة سؤاله مهما كانت حال المقابل. فإن كان – مثلاً – لا يقرأ قرأ الباحث له السؤال، وإن كان يحتاج إلى توضيح للمقصود من السؤال، وضح الباحث له ذلك… إلخ. وبهذه الميزة تصبح المقابلة هي أولى أدوات البحث بالتطبيق إذا كانت عينة البحث لا يمكن الاعتماد عليها وحدها في الإدلاء بالإجابة كأن يكون أفرادها أطفالاً أو أميين مثلاً… إلخ.

 

  • التعمق: بالمقابلة يستطيع الباحث أن يتعمق بسؤاله للمقابل تدريجياً حتى يصل إلى الحقيقة. ويمكن للباحث أن يحقق هدف التعمق هذا بعدة طرق، كأن يبدأ بالمقدمات ليصل إلى النهايات، أو أن يستق من الإجابة أسئلة تمكنه من الحصول على حقيقة ما يعتقدة المقابل، أو أن يوفر للمقابل جواً من الاطمئنان ويوضح الهدف من المقابلة والمقصود منها مما يجعل المقابل يشعر بالأمان ويدلي بأية معلومات يطلبها الباحث ولو كانت شخصية.

 

 

 

وتبرز أهمية هذه الميزة عندما يكون الهدف من المقابلة الحصول على معلومات تتعلق بجوانب شخصية، أو ترتبط بسلوك شخصي يصعب على المقابل الإدلاء بأسبابه وكيفيته عن طريق السؤال المكتوب فقط، أو عندما يكون الهدف من السؤال الحصول على معلومة عامة غير محددة أطلاقاً، كأن تكون عن معرفة ما يعتقد المقابل حول شخص أو نظام معين مثلاً.

 

هذه هي أهم ما تمتاز به المقابلة عن غيرها من أدوات البحث، ولكن هناك أيضاً بعض المميزات الجانبية الأخرى ولعل أهمها:

 

– ضمان عدم تأثير أي مؤثرات خارجية على إجابة المقابل، فلن يتوفر له من الوقت ما يجعله يستعين بغيره للبحث عن الإجابة المناسبة مثلاً، كما يمكن أن يحدث في الاستبانة.

 

– بالمقابلة يمكن القول بأن الباحث يضمن تجاوب أكثر إن لم يكن كل أفراد العينة، وبهذا يستطيع الباحث أن يتغلب على أكبر عقبة تواجه أدوات البحث الأخرى – كالاستبانة مثلاً – وهي تدني نسبة من يجيب عنها.

 

– بالمقابلة يستطيع الباحث أن يتجنب بعض الأمور التي قد تؤثر على علمية الإجابة، مثل تقديم الأسئلة للمقابل مجتمعة – كما يحدث في الاستبانة، ومثل تعمد المقابل عدم الإجابة على بعض الأسئلة، حيث يمكن تفادي مثل هذه الاحتمالات في المقابلة. قد يخيل للقاريء بأن المقابلة بما تمتاز به من مميزات تخلو تماماً من العيوب، إلا أن الحقيقة تقول غير ذلك، فعلى الرغم من أهمية هذه المميزات، إلا أن هناك عيوباً لابد من إدراكها وأخذها في الاعتبار عند اتخاذ قرار بتطبيق المقابلة. ومن أهم هذه العيوب ما أورده الكثيرون – إن لم يكن كل – من كتب في هذا المجال.

 

 

 

 

 

– احتمال التحيز من قبل الباحث ليحصل على معلومات محددة يريدها بعينها: فميزة التكيف والتعمق – اللتين سبق ذكرهما – لهما في الوقت نفسه أثر سلبي واضح حيث يهيئان الفرصة للباحث ليحقق هواه ورغبته بدلاً من أن يتجرد وذلك نتيجة لما يتخذه من أساليب تطمئن المقابل مثلاً، أو نتيجة لما يضربه من أمثلة تقود بالمقابل ليجيب إجابة معينة قد لا تعكس حقيقة ما يراه أو يعتقده، وإنما تأثراً بأمثلة الباحث فقط. وبهذا يصبح واضحاً أنه على الرغم من أن الباحث وإن كان لا يعمد إلى التحيز المقصود ولكن التحيز يصبح أمراً واقعياً كنتيجة طبيعية لما يتخذه من أساليب إيحائية، يحاول بها الوصول إلى الحقيقة. وهذا عدا عما ينتج من تحيز في تفسيرات الباحث لإجابات المقابل.

 

– عندما يراد من المقابلة أن تكون أداة بحث يعتمد عليها في توفير المعلومات الضرورية للإجابة عن أسئلة البحث واختبار فروضه، فلابد من أن يتوفر في الباحث المهارة اللازمة لإجرائها. وهذا لا يتأتى عفوياً، وإنما يحتاج إلى تدريب ميداني دقيق ومعرفة تامة بخطوات ومستلزمات إجرائها. فالمعلومة التي يحصل عليها الباحث بمجرد سؤال مكتوب في الاستبانة، لا يحصل عليها الباحث في المقابلة إلا إذا توفرت لديه إمكانات معينة تجعله مقبولاً لدى المقابل، وهذا حتماً لا يتمكن منه الباحث دون سابق تدريب جيد وهادف.

 

– ويبرز الفرق بين المقابلة وغيرها عن أدوات البحث وخاصة الاستبانة في عامل الوقت. فالباحث عندما يطبق المقابلة لا يستطيع وحده أن يقرر الوقت الذي يحتاجه لإجراء المقابلة كما يحدث في الاستبانة مثلاً، وإنما يشترك المقابل معه في تقرير الوقت، وبالتالي يتعين على الباحث إما أن يصبر على طول الوقت قبل المقابلة وأثناءها، أو أن يقتصر على عدد محدود ممن تجب مقابلتهم. ولهذا أثره السلبي على نتائج البحث. وهذا ما جعل كرلينجر (1973م) يختم كلامه عن المقابلة بقوله:

So, whenever a mord economical method answers the research purposes, interview should not be used.

 

أي متى ما جاز لنا وكان بإمكاننا أن نطبق أداة أكثر توفيراً من المقابلة، ويمكنها أن تجيب على أسئلة البحث وتحقق أهدافه، فالأولى عدم تطبيق المقابلة.

 

 

 

– وأخيراً إذا كان لمقابلة الباحث للمقابل وجهاً لوجه أثرها الإيجابي في إمكانية التكيف والتعمق والشرح والتوضيح، إلا أن لها أيضاً أثر سلبي ينتج عن شعور المقابل بالخجل أو الخوف من تبعات الإدلاء بالحقيقة أو مجاملة الباحث مما قد يضطره إلى الإدلاء بمعلومات لا تمثل الحقيقة مما ينعكس أثره السلبي على نتائج البحث أيضاً.

 

  • متى تكون المقابلة أنسب الأدوات؟

أمام هذا الكم الكبير من مميزات وعيوب المقابلة، يشعر الباحث بحيرة في أمره، فعندما يقرأ المميزات يرى أن المقابلة أدق أداة بحث يمكن تطبيقها، ولكنه عندما يقرأ العيوب، يتراجع عن قراره ويبقى في حيرة.

 

أمام هذه الحيرة يمكن القول بأن هناك بعض الضوابط والاعتبارات التي يمكن أن يعين الباحث على اتخاذ قرار بجدوى تطبيق المقابلة واستخدامها لجمع المعلومات الضرورية للبحث. وأهم هذه الضوابط والاعتبارات ما يلي:

 

  • عدد أفراد العينة:

فإن كان العدد كبيراً فالأولى عدم تطبيق المقابلة لما يتطلبه ذلك من وقت وجهد كبيرين قد يفوقا قدرة وإمكانات الباحث.

 

  • إمكانية تطبيق أداة أخرى:

فإذا كان ذلك ممكناً طبقاً لطبيعة المشكلة، فلا داعي لتطبيق المقابلة، لما يكتنف تطبيقها من صعوبات تفوق الصعوبات التي تنجم عن تطبيق الأدوات الأخرى.

 

  • نوعية أفراد العينة:

فإذا كانوا ممن يصعب تطبيق أداة بحث أخرى عليهم، فلا مناص من تطبيق المقابلة، كأن يكونوا أطفالاً أو أميين مثلاً.

 

 

 

  • نوع المعلومات المطلوبة:

فإذا كانت المعلومات من الأهمية أو السرية بحيث يتحرج المجيبون من كتابة أجابتهم، أو كان من الصعب تحديد المطلوب بسؤال مكتوب مثلاً، فالأولى تطبيق المقابلة.

 

كل هذا لخصه كرلينجر Kerlinger (1973م) بقوله:

“إنه يلزم عند اتخاذ قرار بتطبيق المقابلة أداة لجمع معلومات حول أسئلة البحث، أن يسأل الباحث نفسه السؤال التالي: هل بالإمكان الحصول على المعلومات نفسها بتطبيق أداة أسهل وأفضل من المقابلة؟ وذلك لأن تطبيق المقابلة يكتنفه بعض الصعوبات مثل: صدق المعلومات، وتحيز المقابل (بالكسر) ومدى تدربه على الدراسة الأولية للأسئلة…إلخ”. (ترجمة)

 

وفي مكان آخر يقول كرلينجر Kerlinger “عندما يصعب الحصول على المعلومة بطريقة أخرى غير المقابلة، وعندما تكون هناك حاجة للتعمق في المعلومة، تصبح المقابلة أنسب الأدوات.

 

كذلك عندما يكون مجال البحث جديداً، فيصبح تطبيق المقابلة أمراً لابد منه، للوصول إلى فروض ومتغيرات، وبنود قد تخفى على الباحث وأخيراً المقابلة تصبح ضرورية إذا كان البحث يجري على أطفال لا يمكنهم الإدلاء بالمعلومات بطريقة أخرى” (ترجمة).

 

وما ذكره كرلينجر Kerlinger هنا يؤكد ما ذكرناه سابقاً من أنه يتعين على الباحث ألا يلجأ لتطبيق المقابلة إلا إذا تعذر عليه تطبيق أداة أخرى غيرها. ولكنه يضيف هنا نقطة مهمة جداً يجب ضمها لما ذكرناه سابقاً من ضوابط واعتبارات لأنها يمكن أن تعين الباحث على اتخاذ قرار بتطبيق المقابلة أو تركها وهذه النقطة هي:

 

 

 

 

  • عندما يكون مجال البحث جديداً وتصور الباحث عنه محدوداً، فيتعين عليه أن يطبق المقابلة للوصول إلى فروض جديدة، ومتغيرات ذات ارتباط بموضوع البحث، وأخيراً إلى بنود جديدة قد تخفى على الباحث.

 

  • خطوات المقابلة:

عندما يتضح للباحث أن المقابلة هي أنسب أدوات البحث وأكثرها ملاءمة لجمع المعلومات التي تمكنه من الإجابة عن أسئلة البحث واختبار فروضه، يتعين عليه أن يبدأ في تنفيذها طبقاً للخطوات التالية:

 

الخطوة الأولى: تحديد الأهداف:

أي أنه يتعين على الباحث أن يترجم جميع أسئلة البحث إلى أهداف يمكن قياس مدى تحقق كل واحد منها بواسطة عدد من الأسئلة. فمثلاً عندما يكون أحد أسئلة البحث (ما أثر العوامل المادية في العزوف عن التدريس؟)

 

  • معرفة ما إذا كانت قلة الراتب تؤدي إلى العزوف عن التدريس.
  • معرفة ما إذا كان عدم توفر الحوافز المادية الأخرى كالانتداب، والمكافأت وبدل السكن… إلخ تؤدي إلى العزوف عن التدريس.
  • معرفة ما إذا كان الثبات الوظيفي وعدم التقدم والتجدد يؤدي إلى العزوف.

 

ثم بعد تحديد الأهداف، يمكن أن يترجم كل هدف منها إلى عدة أسئلة لقياس مدى تحقق الهدف. فمثلاً لتحقيق الهدف الأول يمكن توجيه الأسئلة التالية للمقابل (بفتح الباء):

 

  • هل يتساوى مرتبك الشهري (كمدرس) مع مرتب معظم زملائك الذين تخرجوا معك واتجهوا إلى مجالات عمل أخرى غير مجال التدريس (الإدارة مثلاً)؟ وإذا لم تساوى فما السبب في ذلك؟

 

  • هل تعتقد أنه بإمكانك أن تحصل على مرتب شهري أفضل لو التحقت بمهنة أخرى؟.

 

 

 

  • هكذا يقوم الباحث بسرد عدد من الأسئاة التي يمكنه بموجبها أن يقيس مدى تحقق كل هدف.

 

مصدر الأهداف وما تتطلبه من مواقف وأسئلة:

واضح مما تقدم أن تحديد الأهداف يتطلب أن يترجم كل سؤال من أسئلة البحث إلى عدة أهداف، ومن ثم كل هدف منها إلى عدة أسئلة أو مواقف.

 

وهذا الكم الكبير من الأهداف والأسئلة والمواقف لا يمكن أن يحصل عليه الباحث من فراغ أو مجرد تذكر. ولكن حتى يستطيع الباحث أن يحصر كل الأهداف والمواقف المهمة التي لا غنى عنها لإجابة أسئلة البحث، يتعين عليه أن يراجع الآتي:

  • الدراسات السابقة.
  • الكتب ذات الارتباط بموضوع البحث.
  • الاستبانات السابقة التي تتناول مجال البحث أو جزءاً منه.

 

هذا بالإضافة إلى:

  • الاستفادة من خبراته العلمية والعملية.
  • الاستفادة من استشارات ذوي الاختصاص والاهتمام.
  • تصميم استبانة ذات بنود مفتوحة لذوي الاختصاص والعلاقة، تهدف لتزويد الباحث بالأهداف والمواقف والأسئلة التي يحتاجها عند تصميمه لاستبانة البحث بصورتها النهائية.

 

الخطوة الثانية: تصميم دليل المقابلة:

وهو عبارة عن عدد من الصفحات يستخدمها الباحث عند إجرائه المقابلة، ويكتب فيها الأهداف التي حددها في الخطوة الأولى وما يتصل بها من أسئلة تعينه على حصر المقابلة بما له صلة بالبحث من جانب وتقنن – كما ذكر(بورق) و(قول) Borg and Gall  – له طريقة، وجو المقابلة بحيث تأخذ الشكل المنطقي في تدرج الأسئلة وترابطها وعدم تداخلها من جانب آخر. وبهذا يصبح الدليل أشبه ما يكون باستمارة المقابلة التي تضم جميع الأسئلة التي سوف توجه للمقابل (بالفتح)، سواء كانت أسئلة محددة أو شبه محددة أو غير محددة إطلاقاً، وذلك طبقاً لما تقتضيه طبيعة الهدف من السؤال.

 

 

فالأسئلة المحددة هي التي توجه للمقابل بغرض الحصول على معلومة محددة تماماً مثل: عمره، سنة تخرجه من الجامعة، عدد أولاده… إلخ.

 

أما الأسئلة شبه المحددة فيي التي توجه للمقابل بغرض الحصول على معلومة شبه محددة. أي يترك له فرصة التغبير عنها بأسلوبه وطريقته التي يختارها، ولكنه يبقى في إطار سؤال محدد. فمثلاً قد يكون السؤال (إلى أي مدى ترى أنك استفدت مما درسته في المرحلة الجامعية في مقرر طرق تدريس اللغة العربية في تطبيقك الفعلي عندما أصبحت مدرساً لمقرر اللغة العربية في المرحلة المتوسطة؟) وواضح أن المقابل لم يحدد بإجابة معينة، ولكنه شبه محدد حيث أنه مطلوب منه ألا يخرج عن إطار هذا السؤال.

 

أما الأسئلة غير المحددة إطلاقاً، فهي التي تهدف للحصول على المعلومة بواسطة معلومة أو معلومات يدلي بها المقابل. كأن يقوم الباحث بعرض قضية معينة أمام المقابل ثم يطلب منه إبداء وجهة نظره نحوها. فمثلاً قد يهدف الباحث لمعرفة (أثر قلة الراتب في العزوف عن التدريس) فيعرض القضية التالية للمقابل: (تتناول الصحف واقع المدرسين بشكل ملفت للنظر، فمنهم من يطالب بتحسين الوضع الوظيفي، ومنهم من يطالب بتحسين الوضع المادي، ومنهم من يطالب بتحسين الوضع الاجتماعي… إلخ فما هو تعليقك أو ما هي وجهة نظرك في قضية المدرسين؟).

 

وواضح أن اختيار أي نوع من أنواع الأسئلة (محددة، شبه محددة، غير محددة) يعتمد بالدرجة الأولى على الهدف من السؤال، وعلى مدى حساسية المعلومة المطلوبة: فلا يعقل مثلاً أن يوجه سؤال محدد أو شبه محدد حول جانب شخصي له صفة السرية، وإنما لابد أن يصاغ بصيغة غير محددة تماماً. وواضح أيضاً “أن مقدار التدريب الذي يحتاجه المقابل لإجراء المقابلة يختلف حسب نوع الأسئلة. فلا يعقل أن تتطلب المقابلة ذات الأسئلة المحددة تدريباً مثلما تتطلبه الأسئلة غير المحددة”.

 

 

 

 

الخطوة الثالثة: الدراسة الأولية:

بعد أن ينتهي الباحث من تصميم دليل المقابلة، يتعين عليه قبل أن يقوم بإجرائها، أن يتأكد من أن الدليل بما فيه من أسئلة أصبح صالحاً للتطبيق، كما أصبح هو شخصياً ذا قدرة تمكنه من إجراء المقابلة بشكل يحقق الغرض. وهذا كله يتطلب من الباحث أن يقوم بعمليتين متزامنتين معاً هما:

 

  • إجراء دراسة أولية للدليل.
  • تدريب المقابل على إجراء المقابلة.

ويمكن أن يتحقق ذلك بتطبيق المقابلة على عدد محدد ممن تنطبق عليهم مواصفات من ستجري عليهم المقابلة النهائية.

 

ولتحقيق الهدف من الدراسة الأولية، والهدف من تدريب الباحث، يُنصح المقابل أن يستخدم بعض الوسائل التي تشخص له واقعه أثناء المقابلة، كأن يقوم بتسجيلها في الفيديو، ومن ثم يقوم تجربته ويتحسس مواطن الضعف ليتلافاها، ومواطن القوة ليبرزها ويؤكد عليها.

 

وتأتي أهمية إجراء الدراسة الأولية لمقابلة بشقيها (الدراسة الأولية، وتدريب المقابل) من الحرص على نقل المقابلة بصفتها أداة غير موضوعية إلى أكبر قدر ممكن من الموضوعية، حيث يتم بموجب هذه الدراسة الأولية التأكد من صياغة الأسئلة ودلالتها اللفظية، ومدى ارتباطها وصلتها بتحقيق الهدف المنشود، وكذلك مدى قدرة المقابل (بكسر الباء) على إجراء المقابلة وعدم الوقوع في مواقف سلبية تحرجه أو تحرج المقابل (بفتح الباء) ويمكن أن تنعكس على صدق نتائج البحث.

 

الخطوة الرابعة: إجراء المقابلة:

بعد أن تتم صياغة دليل المقابلة صياغة نهائية طبقاً لما حصل عليه الباحث من نتائج الدراسة الأولية، يبدأ بإجراء المقابلة مع كل واحد من الباحثين حددهم سلفاً عند تحديده لمجتمع البحث وعينته ولكن قبل أن يبدأ المقابل بإلقاء الأسئلة التي أعدها وضمنها دليل المقابلة. عليه أن يسعى جاهداً لخلق جو ودي يعين كلاً من المقابل (بالكسر) والمقابل (بالفتح) على تفهم كل منهما الآخر.

 

 

ومن السبل التي تعين المقابل لخلق مثل هذا الجو تطبيق ما يلي بالترتيب:

  • أن يقتصر مكان المقابلة على المقابل والمقابل فقط.
  • توضيح الهدف من البحث بشكل عام، وكل جانب من جوانب المقابلة بشكل خاص.
  • إشعار المقابل بأهمية موضوع البحث ودوره في تحقيق أهدافه.
  • طمأنة المقابل بأن جميع ما يدلي به من معلومات لن تستخدم لغير أغراض البحث وأن إجاباته لن تحلل وحدها وإنما مع إجابة بقية أفراد العينة.
  • أخذ موافقة المقابل (بالفتح) بالوسيلة التي سوف يطلبقها المقابل (بالكسر) لتسجيل المعلومات، سواء أكانت كتابة أو تسجيلاً آلياً.

 

  • تسجيل المقابلة:

يمكن للمقابل (بالكسر) أن يسجل المقابلة بإحدى طريقتين:

 

  • الكتابة:

وهي أن يقوم المقابل بتعبئة حقول إجابات أسئلة المقابلة في دليل المقابلة وذلك طبقاً لما يدلي به المقابل من إجابة. وهذا في حالة ما إذا كانت الأسئلة محددة، أما إذا كانت شبه محددة أو غير محددة إطلاقاً فيقوم المقابل (بكسر الباء) بكتابتها في الفراغات التي أعدها أمام كل سؤال أورده في دليل المقابلة.

 

وواضح أنه لن يكون باستطاعة المقابل أن يكتب كل ما يدلي به المقابل من معلومات، ولكن يتعين عليه أن يحاول أن يكتب كل ما يمكنه أن يكتبه مركزاً على أهم ما يدلي به المقابل من أفكار، وبعد عودة المقابل لمكتبه أو منزله يعيد كتابة المعلومات كتابة مفصلة ومنظمة لتحقق الغرض المنشود من المقابلة، وحتى لا تتعرض للنسيان.

 

  • التسجيل الآلي:

وذلك كأن يستخدم المقابل آلة تسجيل عادي Tape Recorder أو بالصورة Vidio Tape ، ثم بعد الانتهاء من إجراء المقابلة يقوم بتفريغها في دليل المقابلة.

 

 

 

 

وواضح أن لكلتا الطريقتين (الكتابة والتسجيل الآلي) مميزاتاً وعيوباً، ولكن ليس من واحدة منهما بد لإجراء المقابلة.

 

ويمكن أن تتلاشى العيوب كلياً أو جزئياً بقدر ما يطبقه المقابل من السبل الآنفة الذكر التي تعين على خلق جو ودي للمقابلة. فمثلاً قد يتحفظ المقابل من الإدلاء بالحقيقة، عندما يرى أن إجابته تكتب أو تسجل تسجيلاً آلياً، ولكن عندما يقنعه بالهدف من التسجيل أو الكتابة، وذلك بعد أن يستأذنه بتطبيق أي منهما، يزول أثر هذا العيب، بل يصبح التسجيل أو الكتابة عاملاً مهما في ضبط المقابلة بدلاً من أن يكون الاعتماد على ذاكرة المقابل فقط، مما يُعرض كثيراً من المعلومات إلى الضياع. يشهد على ذلك ما أورده حسن (1982) نقلاً عن ماكوبي حيث قال “وتشير كثير من البحوث إلى أن عدم تدوين إجابات المبحوثين وقت سماعها، يؤدي إلى نسيان كثير من المعلومات وتشويه كثير من الحقائق. فقد أظهرت نتائج إحدى الدراسات أن التقارير التي تكتب بعد الانتهاء من المقابلة مباشرة تحتوي على 39% من مضمون الإجابات، والتقارير التي تكتب بعد المقابلة بيومين تحتوي على 30% من مضمون الإجابات، والتقارير التي تكتب بعد إجراء المقابلة بسبعة أيام تحتوي على 23% من مضمون الإجابات”.


لتنمية مهاراتك وللحصول على دورات مجانية و منح دراسية و شهادات معتمدة يمكنك التسجيل بـ سيرتيفياند

Comments

comments