الملاحظة

سلوك الإنسان انعكاس لمشاعر وعوامل داخلية وخارجية لا يعلمها إلأ خالقه سبحانه وتعالى. ومن هنا أصبح من المتعذر أن تكون هناك وسيلة واحدة جامعة مانعة يمكن بها دراسة ذلك السلوك. ولكن نظراً لأنه من الممكن حقاً أن يكون ذلك السلوك الإنساني دالاً ومؤشراً على أثر تلك المشاعر والعوامل لدى الإنسان كان لابد من دراسة أنماطه بالسؤال أحياناً، وبالمقابلة أحياناً، وبملاحظة أحياناً.

 

لا شك أن قوة هذه الوسائل (السؤال، المقابلة، الملاحظة) على معرفة الحقيقة قوة محدودة لإنها ترتبط بالظاهر فقط، بينما يكتنف مقدرتها على معرفة الباطن عدد كبير من العوائق. وبهذا تصبح الملاحظة كغيرها من أدوات البحث ذات إمكانية محدودة على قياس سلوك الإنسان والعوامل المؤثرة فيه. ولكن هذه الإمكانية قابلة للقوة والضعف: فهي تقوى عندما يدرك الملاحظ عيوبها، ويحاول تلافيها، ويعي مميزاتها، ويحاول الاستفادة منها. كما تقوى عندما يتبع في ملاحظته الخطوات المحددة للملاحظة التي أشار إليها علماء المنهجية من قبله.

 

ولكنها تضعف جداً عندما يظن أنها مجرد حضور وانتباه، لا تحتاج إلى تخطيط مسبق ومحكم.

 

انطلاقاً من كل ما تقدم يمكن القول بأنه لا عنى للباحث من الوعي المتكامل بالملاحظة: مفهوماً، وأنواعاً، وخطوات. وهذا ما يهدف إليه الباحث في الصفحات القليلة القادمة، مراعياً في ذلك النظرية من جانب وإجرائية التطبيق من جانب آخر حتى يتكامل العلم والعمل من قبل من يرجع إليها من الباحثين.

 

  • المفهوم:

مصطلح الملاحظة من المصطلحات التي يسهمل على الفرد فهم المقصود منها إدراكها. وهذا صحيح إذا لم يقترن المصطلح بقرينة تحدده ويستلزم معها توضيحه توضيحاً يسهل على القاريء إدراك ما بعده.

 

 

 

 

فالملاحظة بمعناها العام تعني الانتباه لشيء ما والنظر إليه، وذلك اشتقاقاً من معناها اللغوي الذي يكمن في “النظر إلى الشيء الملاحظ بمؤخر العينين، دلالة على التدقيق، كما يقال لاحظه أي راعاه، بمعنى نظر الأمر إلى أين يصير، أو مراقبة الشيء فرعي النجوم يعني مراقبتها”.

 

أما معنى الملاحظة: إصطلاحاً فيرتبط بقرينة البحث العلمي حيث تشير إلى أداة من أدوات البحث تًجمع بواسطتها المعلومات التي تمكن الباحث من الإجابة عن أسئلة البحث واختبار فروضه، فهي تعني الانتباه المقصود والموجه نحو سلوك فردي أو جماعي معين بقصد متابعته ورصد تغيراته ليتمكن الباحث بذلك من:

– وصف السلوك فقط

– أو وصفه وتحليله.

– أو وصفه وتقويمه.

 

  • أنواع الملاحظة:

أنواع الملاحظة من الموضوعات التي فصلت كثير في معظم الكتب التي تناولت الملاحظة سواء ما كتب منها باللغة العربية أو ما كتب باللغة الإنجليزية. فهناك من حدد الأنواع بالآتي:

 

الملاحظة المباشرة:

حيث يقوم الباحث “بملاحظة سلوك معين من خلال اتصاله مباشرة بالأشخاص أو الأشياء التي يدرسها”.

 

والملاحظة غير المباشرة:

حيث يتصل الباحث “بالسجلات والتقارير والمذكرات التي أعدها الآخرون”.

 

وهناك من حدد أنواع الملاحظة بــ:

 

 

 

 

الملاحظة المحددة:

عندما “يكون لدى الباحث تصور مسبق عن نوع المعاملات التي يلاحظها أو عن نوع السلوك الذي يراقبه”.

 

والملاحظة غير المحددة:

عندما “يقوم الباحث بدراسة مسحية للتعرف على واقع معين أو لجمع المعلومات والبيانات”.

 

وهناك من حدد أنواع الملاحظة بنوعين هما:

 

ملاحظة بدون مشاركة:

وذلك عندما “يقوم الباحث بإجراء ملاحظاته من خلال القيام بدور المتفرج أو المراقب”.

 

وملاحظة بمشاركة:

“حين يعيش الباحث الحدث نفسه ويكون عضواً في الجماعة التي يلاحظها”.

 

وأخيراً هناك من حدد أنواع الملاحظة بنوعين آخرين هما:

 

الملاحظة مقصودة:

“حين يقوم الباحث بالاتصال الهادف بموقف معين أو أشخاص معينين لتسجيل مواقف معينة”.

 

وملاحظة غير مقصودة:

“حين يلاحظ عن طريق الصدفة وجود سلوك ما”.

 

 

 

 

وهناك من فصل في تعداده لأنواع الملاحظة وقال إن للملاحظة خمسة أنواع:

  • الملاحظة البسيطة غير المضبوطة.
  • الملاحظة المضبوطة المنظمة.
  • الملاحظة المشاركة.
  • الملاحظة الجماعية.
  • الملاحظة المنهجية.

 

ويلاحظ أن هذا التنوع الذي حدد في معظم مناهج البحث يمكن أن يرجع أحياناً إلى فروق في اللفظ دون المعنى، فقد يعبر أحد المؤلفين بعبارة (ملاحظة مقصودة وملاحظة غير مقصودة) ويعبر عن المفهوم نفسه مؤلف آخر – (ملاحظة بسيطة وملاحظة منظمة).

 

كما يلاحظ على هذا التفصيل لأنواع الملاحظة أنه تفصيل لا يتطلبه الموقف، فجميع من أورد الملاحظة ممن كتب في مناهج البحث لم يوردها بهدف شرح مفهومها العام الذي يتطلب منه أن يفصل فيما يمكن أن يقع تحت هذا المفهوم من أنواع. وإنما أوردها باعتبارها أداة من أدوات البحث في العلوم السلوكية، مما يتطلب معه أن يقتصر في تحديد الأنواع على ما يمكن تطبيقه في البحث العلمي دون غيره، ذلك أن لهذا التفصيل أثراً سلبياً على إمكان التطبيق:

 

فالباحث الذي يرغب تطبيق الملاحظة سوف يعاني من صعوبة التطبيق لأنه سيجد نفسه أمام كم هائل من التفصيل الذي لا يتطلبه الموقف.

 

لهذا كله يمكننا القول إن الملاحظة بمفهومها العلمي وبصفتها أداة من أدوات البحث يمكن أن تكون:

  • ملاحظة بالمشاركة. Participant Observation
  • ملاحظة بدون المشاركة                 Nonparticipant- Observation

 

 

 

 

أولاً: الملاحظة بالمشاركة:

وهي الملاحظة التي تتم أثناء مشاركة الباحث في ملاحظته الموقف مع الأفراد الذين يلاحظهم. فإذا كان موضوع البحث يتعلق بالفصل الدراسي ومع الطلاب مثلاً، فيتعين على الملاحظ الذي يتخذ من (الملاحظة بالمشاركة) أداة لبحثه أن يدخل مع الطلاب إلى فصلهم ويندمج معهم اندماجاً يمكنه من إدراك الظاهرة المراد ملاحظتها.

 

وقد فرق (بورق) و (قول) Borg & Gall (1979م) بين الملاحظة بالمشاركة الكاملة، والملاحظة بالمشاركة الجزئية فقالا إن الملاحظة بالمشاركة الكاملة تقتضي من الملاحظ أن يكون كأحد أعضاء المجال الملاحظ تماماً، ويبقى دوره في الملاحظة غير واضح وخاف على بقية أعضاء المجال.

 

أما الملاحظة بالمشاركة الجزئية فالملاحظ أيضاً يشارك في مجال الملاحظة ويساهم مع بقية أعضائه ولكن هويته واضحة وهدفه معروف لدى جميع أعضاء المجال الملاحظ.

 

والملاحظة بالمشاركة الجزئية لا تعني أن يكون الملاحظ بمعزل عن بقية الأعضاء، وإنما يشاركهم في الملاحظة للدرجة التي تمكنه من فهم وإدراك الظاهرة المراد ملاحظتها.

 

وهذا الفرق في درجة المشاركة يؤدي إلى فرق في المميزات والعيوب. فعلى الرغم من أن الملاحظة بالمشاركة الكاملة تعد من أفضل الطرق لجمع المعلومات في بعض الموضوعات، إلا أن هناك ما يقلل من قيمتها وذلك مثل:

 

  • محاولة تستر الباحث وعدم الإفصاح عن الهوية مما ينافي المبدأ الأخلاقي في البحث العلمي الذي يقتضي الوضوح ويبدو أثر هذا واضحاً عندما يكتشف بقية الأعضاء تستر الملاحظ؟

 

 

 

 

 

  • احتمال تغير السلوك إلى ما يريد الملاحظ نتيجة لمشاركته الكاملة إذ قد يوجه بقية الأعضاء توجيهاً لا إرادياً إلى ما يبحث عنه، مما يتنافى مع ما تتطلبه الملاحظة العلمية من تجرد وعدم تأثير.

 

  • تعذر تسجيل الملاحظة أثناء الملاحظة بالمشاركة الكاملة مما يجعل الملاحظ يعتمد على ذاكرته في وصف الوقائع، ولهذا الأمر أثاره السلبية على القيمة العلمية للمعلومات. كما قد يضطر إلى إخفاء وسائل التسجيل الآلية، وهذا أيضاً له أثاره السلبية على أخلاقيات البحث والباحث.

 

  • الملاحظة بالمشاركة الكاملة تحرم الباحث من الاستفادة من بعض الحالات التي تقتضي الإفصاح عن الهوية”. (ترجمة).

 

ثانياً: الملاحظة بدون المشاركة:

وهي الملاحظة التي تتم من قبل الملاحظ دون أي علم من قبل الملاحظين. وهناك من الوسائل ما يعين على تحقيق وإجراء هذا النوع من الملاحظة. فقد يقوم “الباحث بالاختباء وراء شاشة بصرية يستطيع من خلالها أن يرى الأشخاص الذين تجري عليهم عملية الملاحظة دون أن يتمكن هؤلاء من رؤيته”.

 

وقد يقوم برصد الظاهرة آلياً كأن يقوم بتصويرها وتسجيلها على أشرطة فيديو دون علم الملاحظين (بفتح الحاء)… إلخ.

 

وواضح أن هذا النوع من الملاحظة يمتاز عما سبقه (الملاحظة بالمشاركة) من حيث قلة تأثير الملاحظ على توجيه وتعديل سلوك الملاحظ. فالملاحظة بدون مشاركة تكمن ميزتها في “تمكين الباحث من أن يلاحظ السلوك كما يحدث فعلاً في الواقع بصورة طبيعية”، دونما أي تأثير خارجي.

 

 

 

  • مميزات الملاحظة وعيوبها:

تختلف الملاحظة عن غيرها من أدوات البحث التي سبق تفصيلها (الاستبانة والمقابلة) وذلك من حيث مقرر المعلومة، فالمجيب على الاستبانة، والمقابَل في المقابلة هما اللذان يقرران المعلومة التي يبحث عنها الباحث. فما أدلياً به من معلومات، يتعين على الباحث قبولها دون النظر إلى درجة معقوليتها.

 

أما في الملاحظة فالأمر يختلف كلياً، فالمعلومة يحددها الملاحظ بناء على ملاحظته للنمط السلوكي الذي يسلكه الملاحظ. وهذا الاختلاف الجوهري بين الملاحظة من جانب وبقية أدوات البحث من جانب آخر جعل للملاحظة مميزات وعيوب تتصف بها دون غيرها.

 

المميزات:

* درجة الثقة في المعلومات التي يحصل عليها الباحث بواسطة الملاحظة أكثر منها في بقية أدوات البحث وذلك بسبب أنها (أي المعلومة) تستنتج من سلوك طبيعي غير متكلف، بينما في بقية أدوات البحث الأخرى قد يدلى المجيب بالمعلومة لمجرد إرضاء الباحث مثلاً بينما هي في الحقيقة لا تعكس أو تمثل الواقع. وحتى لو أراد المجيب أن يدلي بالمعلومة الصحيحة قد تخونه ذاكرته ولا يدلي إلا بجزء منها مثلاً.

 

* كمية المعلومات التي يحصل عليها الباحث بواسطة الملاحظة أكثر منها في بقية أدوات البحث. فالباحث (الملاحظ) يلاحظ سلوك الأشخاص بأنماطه المختلفة، ويقوم بتسجيل الملاحظات التي تشتمل على كل ما يمكن أن يصف الواقع ويشخصه. بينما في بقية أدوات البحث الأخرى فالمجيب يدلي بالمعلومة التي يطلبها الباحث ولا يستطيع – في الغالب – أن يذكر معلومات جانبية لأن طبيعة السؤال محددة بغرض الحصول على معلومة معينة. ومن أوضح الأمثلة على هذا ما أورده (بورق) و (قول)               Borg and Gall (1979م) عندما قالا: إنه لا المدرس ولا الطالب يستطيعان أن يحددا قدر مشاركة كل منهما في المناقشة في الفصل تحديداً كمياً دقيقاً لو سألهما الباحث عن ذلك، ولكن بملاحظة ذلك، سواء أكانت ملاحظة بالمشاركة أو بدون المشاركة، يتم التوصل إلى التحديد الكمي الدقيق لقدر مشاركة كل منهما (ترجمة).

 

 

 

* الملاحظة تعتمد على الملاحظ (الباحث) مما يجعله يضمن الحصول على المعلومات التي تمكنه من الإجابة عن أسئلة بحثه. وهذا الضمان لا يتأتى مع بقية أدوات البحث الأخرى، لأن الذي يدلي بالمعلومة فيها هو المجيب على الاستبانة أو المقابل في المقابلة وهؤلاء قد يتجاوبون مع الباحث وقد لا يتجاوبون مما يضطره إلى البحث عن أداة أخرى وهكذا.

 

* على الرغم من أنه يمكن بحث بعض الموضوعات بواسطة أدوات بحث متعددة، إلا أن بحثها بواسطة الملاحظة يمكن من الوصول إلى نتائج أكثر دقة وأقرب إلى وصف الواقع وتشخيصه فموضوعات مثل:

– كفاءة المدرسين في التدريس

– التفاعل بين الطلاب ومدرسيهم في الفصل.

– أنماظ السلوك الإدراي في المدرسة.

– السلوك العدواني لدى بعض الطلاب.

 

هي موضوعات يمكن بحثها وجمع معلومات حولها بواسطة الاستبانة أو المقابلة، ولكن نتائج البحث سوف تكون أقل دقة وأبعد عن وصف الواقع وتشخيصه مما لو تم بحثها بواسطة الملاحظة.

 

العيوب:

يكتنف الملاحظة – كغيرها من أدوات البحث – بعض الصعوبات والعيوب، مما يجعل من الواجب على الباحث وعيها وإدراك حجمها قبل أن يقرر تطبيقها. ومن أهم تلك العيوب:

 

* وجود الملاحظ بين الملاحظين له أثر سلبي، حيث أنه يؤدي إلى تعديل سلوكهم من سلوك طبيعي إلى سلوك متكلف، مما يجعل المعلومات التي يسجلها الملاحظ لا تصف الواقع. ويبرز هذا الأثر السلبي عندما تكون الملاحظة ملاحظة بالمشاركة. ويمكن تقليل أثر هذا العيب بمحاولة تكرار الملاحظة لزيادة الملاحظين والبقاء معهم حتى يألفوه ولا يبقى لوجوده معهم أي أثر في تعديل سلوكهم.

 

 

 

* تقتصر قيمة وجدوى الملاحظة على أنماط السلوك الظاهر الذي يمكن ملاحظته وتسجيله، ولا يمكن أن تفيد في رصد الظواهر السلوكية المعقدة. حيث لا يستطيع الملاحظ بواسطة ما يطبقه من وسائل لتسجيل المعلومات أن يرصد ذلك النوع من السلوك، وإنما يحتاج إلى تخطيط مسبق ومحكم. وهذا ما أشار إليه الزويعي والغنام (1981م) بقولهما “ولعل أكبر صعوبة تواجه الباحث عند اضطلاعه بدراسة تقوم على الملاحظة هي كيف يصطنع أدوات تحقق له الحصول على بيانات موضوعية دقيقة عن ظاهرة ما دون افتئات على واقع هذه الظاهرة بوحدتها وتعقدها. فطريقة الملاحظة تتبع عادة في دراسة الظواهر المعقدة، ولكي يسهل رصد هذه الظاهرة بأسلوب أو أساليب موضوعية يتم تحليلها إلى وحدات وذرات، وكثيراً ما يؤدي هذا الإجراء بالباحث إلى ملاحظة قشور الظاهرة أو التوصل إلى معلومات ذات قيمة محدودة عنها. ومن ناحية أخرى فإن اعتماد الباحث على اجتهاده الشخصي في النظر إلى الظاهرة (دون تحليلها إلى وحدات وذرات) قد يعرضه للتحيز وعدم الموضوعية”.

 

* ولكن كما هو واضح مما سبق أن التخطيط الدقيق لملاحظة مثل هذا النوع من السلوك يمكن الباحث (الملاحظ) أن يرصد أنماطه ويشخصه تشخيصاً يستطيع بموجبه أن يجيب على أسئلة البحث.

 

* إمكانية تحيز الملاجظ عند تسجيله للنمط السلوكي الملاحظ فقد يتجه اهتمام الباحث بما يؤيد مسلمات سابقة لديه ومن ثم يضخم أو يقلل من قيمة بعض المظاهر السلوكية التي يلاحظها. ومما يخفف أثر هذا ما يطبقه الملاحظ من تسجيلات يلاحظها خاصة عندما تكون دقيقة وشاملة.

 

* على الرغم من أن درجة الثقة في المعلومات التي يحصل عليها الباحث بواسطة الملاحظة أكبر منها في بقية أدوات البحث، إلا أن هناك احتمال تأثر الموقف الملاحظ بعوامل طارئة، مما يجعل الأشخاص الملاحظين ينهجون سلوكاً غير سلوكهم الطبيعي. وهذا له أثره السلبي على القيمة العلمية للمعلومة الملاحظة. ولكن تكرار الملاحظة يكشف أثر هذه العوامل الطارئة التي قد يكون لها أثر على توجيه وتعديل السلوك.

 

 

 

 

* ما تتطلبه الملاحظة من وقت طويل يعد صعوبة من الصعوبات التي لها تأثيرها على تطبيق الملاحظة. ولكن إذا طبقت الملاحظة في موقف يتطلب تطبيقها لا يلتفت لعامل الوقت وما يشكله من صعوبة.

 

مما سبق يتضح أن هناك بعض العيوب التي تكتنف الملاحظة، وأن هناك طرقاً للتغلب عليها، بالإضافة إلى أنه متى اتبعت خطوات إجراء الملاحظة الآتية ابتاعاً دقيقاً يمكن أن يتلاشى أثر تلك العيوب، ويمكن – بالتالي – تطبيق الملاحظة تطبيقاً يحقق الهدف المنشود منها.

 

وقد أشار الفوال (1982م) إلى بعض النقاط التي تساعد الملاحظ على التغلب على العوامل التي تقلل من قيمة الملاحظة بقوله: “ولضمان تلافي تلك العيوب، يرى علماء المنهجية ضرورة الاهتمام باختيار وتدريب الملاحظين على طرق وأساليب الملاحظة العلمية مع وضع تخطيط دقيق لعملية الملاحظة تحدد خلاله بوضوح النقاط التالية:

 

  • الحالات أو الظواهر المطلوب ملاحظتها.
  • الكيفية التي ستتم بها عملية تسجيل البيانات.
  • الطرق والأساليب التي سوف تتخذ لتقييم عملية الملاحظة والتأكد المستمر من أنها تسير وفق الخطة الموضوعة.
  • ماهية العلاقة أو طبيعة التعامل وكيفيته بين الملاحظ وبين الظاهرة أو الحالة، أو الموقف الملاحظ”.

 

وهذا ما سوف نتعرض له مفصلاً تحت عنوان (خطوات إجراء الملاحظة).

 

  • خطوات إجراء الملاحظة:

يتضح مما سبق إن من أهم الأمور التي لها دور في تقليل عيوب الملاحظة التي سبق تفصيلها، وفي نقلها (أي الملاحظة) إلى المستوى الذي يجعلها أداة مناسبة لجمع المعلومات، تطبيق خطوات إجرائها تطبيقاً دقيقاً والالتزام بها مرتبة كما يلي:

 

 

 

 

الخطوة الأولى: تحديد الأهداف:

يتعين على الملاحظ أن يحدد ابتداء الأهداف التي يأمل تحقيقها أثناء ملاحظته للأنماط السلوكية التي يسلكها الفرد أو الجماعة المطلوب ملاحظتهم. ومن الواضح أن هذه الأهداف يمكن أن تصاغ على شكل أسئلة أو فروض تتناول جانباً أو أكثر من جوانب مشكلة البحث. فمثلاً قد تكمن مشكلة البحث في معرفة: أثر برنامج تدريبي معين على أداء المدرس، فيكون من بين أهداف الملاحظة الإجابة عن الأسئلة التالية:

 

– هل المدرس يطبق في تدريسه ما تعلمه في ذلك البرنامج من حيث أهمية مشاركة الطالب؟

– هل المدرس يحاول في تدريسه أن يؤكد على العلاقة بين المبدأ والواقع، أو بين المبدأ والتطبيق تبعاً لما تعلمه في البرنامج التدريبي؟

 

الخطوة الثانية: تحديد الوحدة السلوكية:

حتى لا يتشتت انتباه الملاحظ بين أنماط سلوكية متعددة، منها ما له صلة بموضوعه، ومنها ما ليس له صلة، يتعين عليه أن يحدد الوحدة السلوكية التي يجب عليه حصر انتباهه لملاحظتها ورصدها.

 

ففي المثال السابق (أثر البرنامج التدريبي) يتعين على الباحث أن يحدد ما هو السلوك المناسب لتطبيق المفاهيم التي تعلمها المدرس في برنامجه التدريبي، فقد يكون ذلك السلوك عبارة عن أسئلة يوجهها المدرس لطلابه وقد تكون عبارات تشجيعية يقولها المدرس لطلابه عند مبادرتهم بالمشاركة… إلخ. فكل سؤال يسأله المدرس لطلابه، وكل عبارة يشجعهم بها على المشاركة، هي الوحدة السلوكية التي يتحقق برصدها معرفة مدى تحقيق الهدف الذي تم تحديده سلفاً.

 

الخطوة الثالثة: تحديد الغرض من الملاحظة:

بعد أن تتحدد الأهداف والوحدات السلوكية لابد من تحديد الغرض من الملاحظة. فقد تكون الملاحظة لواحد أو أكثر من الأغراض التالية:

 

 

 

 

– الوصف: حيث تجرى الملاحظة لوصف الواقع الملاحظ، كأن تكون رصداً لأنماط السلوك الملاحظ ومقدار تكراره مثلاً دون اللجوء إلى تفسيره أو تقويمه. ففي المثال السابق (أثر البرنامج التدريبي) قد يكون الغرض من الملاحظة حصر الوحدات السلوكية التي تحقق مدى تطبيق المدرس لما تعلمه في البرنامج التدريبي مثلاً.

 

– التحليل: وذلك عندما يحاول الملاحظ الربط بين السلوك الظاهر ومؤثر آخر – مستنتج وغير واضح دعا بالشخص الملاحظ إلى أن يسلك هذا السلوك. ففي المثال السابق (أثر البرنامج التدريبي) قد يربط الملاحظ قلة أسئلة المدرس لطلابه بعدم قدرته على إلقاء السؤال الجيد الذي يحفز الطالب على المشاركة. ولتحقيق غرض التحليل لابد للملاحظ من الاستفادة من بعض معطيات السلوك كإمتحانات المدرس، استخدامه للسبورة، الواجبات التي يكلف بها طلابه… إلخ.

 

– التقويم: قد لا يقتصر غرض الملاحظة على وصف السلوك، وإنما يتجاوزه إلى محاولة معرفة قيمة ذلك السلوك، بالحكم عليه طبقاً لمقياس تقدير Rating Scale يختاره الملاحظ ويتدرج مثلاً من ممتاز إلى رديء، أو من مطبق تماماً، إلى غير مطبق… إلخ.

 

ففي المثال السابق (أثر البرنامج التدريبي) يمكن للملاحظ أن يطبق مقياس تقدير يوضح مدى كفاءة المدرس في تطبيقه لما تعلمه في البرنامج التدريبي كأن يكون فوق المتوسط، متوسط، أقل من المتوسط.

 

وواضح أنه لا يمكن الاقتصار على غرضي التحليل أو التقويم وحدهما وإنما لابد أن يسبقهما غرض الوصف، بينما يمكن الاكتفاء بغرض الوصف فقط دون أن يشتمل على تحليل أو تقويم.

 

الخطوة الرابعة: تصميم استمارة الملاحظة:

يختلف تصميم استمارة الملاحظة تبعاً لاختلاف الغرض من الملاحظة، فإذا كان الغرض الوصف فقط، فيمكن أن تصميم الاستمارة بإحدى طريقتين:

 

 

 

الأولى:

أن يقوم الملاحظ بكتابة أهداف الملاحظة وما يرتبط بكل هدف من وحدات سلوكية متوقعة في الاستمارة ثم يلاحظ السلوك، ويضع علامة معينة مثل (×) أمام الوحدة السلوكية التي تسلك. وهكذا يستمر في وضع الإشارات، وإذا تكرر سلوك وحدة منها يكرر الملاحظ وضع الإشارة أمامها بقدر تكرارها. ومن الأمثلة على هذا النوع من التصميم المثال التالي:

 

الهدف: معرفة ما إذا كان المدرس يحاول إشراك الطلاب في الدرس طبقاً لما تعلمه في البرنامج التدريبي.
الوحدة السلوكية                                         التكرار          المجموع
1- طلب المدرس من الطالب أن يقوم بشرح     ×××××××          7

جزء من الدرس.

2- طلب المدرس من الطالب أن يجيب على          ××××            4

السؤال بالكتابة على السبورة

3- سأل المدرس طالباً أن يلخص الدرس                ××             2

لزملائه.

4- سلوكيات أخرى مختلفة                         ××××××××       8

 

ونظرأ لأنه قد لا يستطيع معرفة الوحدات السلوكية المتوقعة كلها، فيستحسن أن يضع وحدة عامة مثل (أخرى) أو (غيرها) وواضح أن من أهم ما يميز هذا النوع من التصميم هو حصر انتباه الملاحظ في مدى ما يسلك من الوحدات السلوكية التي حددها سلفاً. وبهذا “يختصر الباحث وقت التسجيل إلى أقصر فترة ممكنة ليتفرغ إلى متابعة الملاحظة”. ولكن مما يعيب هذا النوع أنه قد يساعد على إغفال الملاحظ لأي وحدة سلوكية تسلك تختلف عما حدده من قبل.

 

 

 

 

الثانية:

ألا يكتب الملاحظ الوحدات السلوكية سلفاً في الاستمارة وإنما يكتفي بكتابة الأهداف، ويكون على وعي تام بما يحققها من وحدات ثم يوفر فراغاً تحت كل هدف ليسجل فيه ما يلاحظه من وحدات سلوكية تسلك وذات صلة بذلك الهدف. كأن يدخل الملاحظ مجال الملاحظة بغرض معرفة مدى قسوة المدرس في تعامله مع الطلاب، ثم يحصر ملاحظته وتسجيله على ما يظهر من وحدات سلوكية ذات صلة بالهدف المحدد.

 

ورغم التشابع الكبير بين هذه الطريقة وسابقتها، إلا أن هذه تمتاز عن تلك بالشمولية حيث أن الملاحظ لم يحصر انتباهه في وحدات سلوكية محددة سلفاً من قبل.

 

أما إذا كان الغرض من الملاحظ التحليل فليس هناك تصميم خاص به، إلا أن الملاحظ يوفر فراغاً في الاستمارة يسجل فيه ما يلاحظه من شواهد تدل على تأثر النمط السلوكي بمؤثر معين. ويستحسن هنا ألا يتنبأ الملاحظ سلفاً بمؤثرات تؤثر على السلوك، حتى لا يقع هو تحت تأثيرها مما يجعله يفسر كثيراً من الأنماط السلوكية التي يلاحظها على أنها شواهد تؤيد ما تنبأ به، وإنما يكتفي بما يستنتجه أثناء إجرائه للملاحظة.

 

وأما إذا كان الغرض من الملاحظة التقويم فلا يكتفي بكتابة الوحدات السلوكية التي يراد ملاحظتها، وإنما يوضع أمام كل وحدة مقياس تقدير ثلاثي مثل (فوق المتوسط، متوسط، دون المتوسط) أو خماسي مثل (ممتاز، جيد جداً، جيد، مقبول، غير مقبول) وقد يزيد على ذلك كأن يكون من (0-10) و(صفر) تعني مثلاً أن الطالب لا يساهم مطلقاً، بينما (10) فتعني أن المدرس لا يساهم مطلقاً. ولكن كلما زاد المقياس عن خمسة كلما قلت درجة صدقه.

 

 

 

 

ونظراً لأن التقدير هو عبارة عن حكم يحكم به الملاحظ على سلوك شخص آخر، فقد يصدق هذا الحكم وقد لا يصدق، مما جعل هذه الطريقة لتصميم الاستمارة غير مرغوب فيها، وذلك لما يكتنفها من صعوبات. ومن تلك الصعوبات ما لخصه الزوبعي والغنام (1981م) بقولهما “وتواجه الملاحظ الذي يستخدم مقاييس التقدير صعوبات في التسجيل أهمها: النزعة إلى المستويات الأعلى عند التقدير. ويظهر ذلك واضحاً إذا كان الملاحظ قليل الدراسة والحنكة في هذا الشأن. ويعرف الميل في التقدير نحو المستويات الأعلى للمقياس بخطأ التساهل Error of Leniency. مثال ذلك ما يحدث عندما يطلب إلى عدد من مدراء المدارس تقدير كفاءة المدرسين الذين يعملون تحت إشرافهم، فإن هؤلاء المدراء ينزعون إلى المستويات الأعلى في التقدير مما يجعل الغالبية العظمى من المدرسين تخطي بتقديرات عالية.

 

وهناك خطأ آخر قريب من الخطأ السابق، وهو الميل إلى المستوى الوسيط في المقياس، ويغلب ذلك عندما تتملك الملاحظ الحيرة، أو يؤثر العافية في التقدير، فيكون كمن يمسك العصا من وسطها من باب التحفظ.

 

وخطأ ثالث يعرف بتأثير الهالة (Hall Effect) ذلك الذي يتولد من انطباع مسبق عن الشخص موضوع الملاحظة فيؤثر على تقدير الملاحظ أثناء الملاحظة بالفعل. فقد يقوم أحد الباحثين بملاحظة بعض المدرسين للتعرف على بعض الصفات وتقديرها مثل التعاون والإخلاص في العمل والميل إليه والعطف على التلاميذ إلى غير ذلك من الصفات المعنوية. ونظراً لأن لديه آراء مسبقة عن هؤلاء المدرسين، فإن هذه الآراء تكون بمثابة هالة تصرف نظره عما يراه بالفعل، أو تشوه تقديره الحقيقي.

 

وشبيه (بتأثير الهالة) ما يعرف باسم ظاهرة التلوث Contamination وأهم مصادر هذه الظاهرة هو أن يكون لدى الملاحظ معرفة عن آراء الأفراد موضوع الملاحظة في متغير من المتغيرات التي يهتم البحث بتحديدها أو تقديرها. فيترتب على هذه المعرفة التأثير على ملاحظة المتغيرات الأخرى في البحث”.

 

 

 

 

تطبيق جدول الملاحظة: Standard Observational Schedule

من الممكن للباحث أن يستغني عن تصميم استمارة الملاحظة بتطبيق واحد من الجداول التي صممها بعض الباحثين التربويين وذلك مثل:

  • جدول تحليل السلوك التدريسي لفلاندر

Analyzing teaching behavior

(نظام تحليل التفاعل)

(Interaction Analysis System)

  • جدول الملاحظة والتسجيل لمدلي وميتزل

Observation Schedule and record:

 

ولعله واضح أن من أهم فوائد مثل هذه الجداول أنه:

  • “ثبت صدقها وثباتها من قبل.
  • تختصر وقت الملاحظ.
  • يمكن مقارنة ما يتوصل إليه الملاحظ (الباحث) من نتائج بما توصل إليه الملاحظون الذين طبقوعا من قبل”.

 

ولكن لها عيوب أيضاً وأهمها “أن هذه الجداول قد لا تشتمل على كل الأهداف والأسئلة والوحدات السلوكية المراد ملاحظتها. ولكن في مثل هذه الحالة يمكن استخدام الجداول فيما يمكن أن تستخدم فيه، وما تبقى يقوم الملاحظ بتصميم استمارة ملاحظة خاصة له”.

 

وواضح أنه يمكن لـ: (الملاحظ) أن يسجل المعلومات في الاستمارة التي صممها، أو الجدول الذي اختاره أثناء ملاحظته، كما يمكنه أيضاً تسجيل المعلومات بعد إجراء الملاحظة، عندما يستخدم بعض الوسائل التي تسجل السلوك أثناء وقوعه كآلات التسجيل والتصوير Vidio Tapes بل إنه من المفيد يتطلب الموقف درجة كبيرة من انتباه الملاحظ.

 

 

 

 

الخطوة الخامسة: تدريب الملاحظ:

بعد أن تنضح الصورة بشكل جيد للملاحظ من حيث أهداف الملاحظة، والوحدات السلوكية المطلوب ملاحظتها، وكذلك الغرض من الملاحظة، وأخيراً الاستمارة التي سوف يسجل فيها المعلومات، وقبل أن ينزل إلى الميدان لإجراء الملاحظة، يتعين عليه أن يتدرب على إجراء الملاحظة في مواقف ومجالات مشابهة للموقف الذي سوف يجري فيه الملاحظة فعلاً. وبعد أن يجري التجربة يقوم بتقويمها تقويماً لا يقتصر عليه وحده، وإنما يمتد إلى استمارة الملاحظة، ليتلافي ما نقص ويعالج ما ضعف.

 

وينصح الملاحظ الذي يقوم بإجراء ملاحظة تجريبية أن تستخدم تسجيلاً بالصورة Vidio Tapes للموقف بما فيه الملاحظ، حتى يستطيع أن يقوم نفسه أيضاً. ويستطيع أن يعيد الموقف أمامه مرات ليقارن ما سجله بما كان ينبغي أن يسجله. هذا كله إذا كان الباحث هو وحده الذي يقوم بإجراء الملاحظة، أما إذا كان البحث يتطلب أكثر من ملاحظ فيتعين على الباحث أن يتبع الخطوات التالية لتدريب الملاحظين:

 

  • “مناقشة استمارة الملاحظة مع الملاحظين بنداً بنداً حتى يطمئن لفهمهم لها.

 

  • عرض تسجيل بالصورة أمام الملاحظين لموقف يشبه الموقف الذي سوف تجري فيه الملاحظة ويطلب من الملاحظين تسجيل المعلومات على استمارة الملاحظة، ثم يقوم بالتعليق على الملاحظة وتوضيح ما يجب توضيحه.

 

  • إجراء ملاحظة تدريبية يقوم بها الملاحظون في مواقف حقيقية (فصول دراسية مثلاً) تنطبق عليها مواصفات المواقف التي سوف تجري فيها الملاحظة. ويُفضل تسجيلها وتصويرها حتى يمكن تقويمها (ترجمة).

 

الخطوة السادسة: إجراء الملاحظة الحقيقية وتسجيل المعلومات:

حيث يبدأ الملاحظ بتطبيق ما خطط لتطبيقه بعد أن يتأكد من قدرته هو، وصلاحية  استمارة الملاحظة التي صممها، أو الجدول الذي اختاره.

 


لتنمية مهاراتك وللحصول على دورات مجانية و منح دراسية و شهادات معتمدة يمكنك التسجيل بـ سيرتيفياند

Comments

comments