المنهج الوصفي “الارتباطي”

  • مفهوم البحث الارتباطي:

على الرغم من أن معظم علماء المنهجية مثل مقراث (1963)، وجالفو وميلر (1970)، وساكس (1968)، وآرى (1972)، وبست (1981)، وغيرهم يعدون البحث الارتباطي أحد أنواع المنهج الوصفي وأسلوب من أساليب تطبيقه، إلا أن كثرة تطبيقه في البحوث السلوكية جعل بعضهم يعرضونه مفصلاً في كتاباتهم. ومن هؤلاء ساكس (1968)، وفان دالين (1952)، ولهمان ومهرنز (1979).

 

وبعضهم عده منهجاً قائماً بذاته، ولم يعرضه كفرع من المنهج الوصفي. ومن هؤلاء إيزاك ومايكل (1981)، وبورق وقول (1979). ويقصد بالبحث الارتباطي ذلك النوع من أساليب البحث الذي يمكن بواسطته معرفة ما إذا كان هناك ثمة علاقة بين متغيرين أو أكثر، ومن ثم معرفة درجة تلك العلاقة.

 

وبهذا المفهوم يتضح أن البحث الارتباطي يقتصر هدفه على معرفة وجود العلاقة أو عدمها، وإذا كانت توجد فهل هي طردية أو عكسية، سالبة أم موجبة؟

 

وبأسلوب آخر، البحث الارتباطي – كما أشار بورق وقول (1979) – لا يطبق لتقرير العلاقة السببية أي لا يطبق لمعرفة أثر السبب على النتيجة أو أي من المتغيرات هو السبب والآخر النتيجة. فمثلاً إذا كان هناك علاقة موجبة بين (أ) و (ب) فقد تكون (أ) هي السبب لوجود (ب)، وقد تكون (ب) هي السبب و (أ) هي النتيجة، وقد يكون هناك عامل ثالث هو السبب لوجود (أ) و (ب)، وقد تكون العلاقة مجرد علاقة اعتباطية.

 

مثال:

عند دراسة العلاقة بين المشاركة في النشاط غير الصيفي وبين ارتفاع المعدل الدراسي، يمكن أن تفسر النتيجة – إذا كانت علاقة موجبة مثلاً – بأي من الاحتمالات التالية:

  • أن المشاركة في النشاط غير الصيفي هي السبب في ارتفاع المعدل الدراسي.
  • أن ارتفاع المعدل الدراسي هو الدافع للمشاركة في النشاط غير الصيفي.
  • أن المعدل الدراسي ارتفع بسبب عوامل أخرى غير المشاركة في النشاط غير الصيفي.

 

 

على أن هذا لا يعني أنه لا يمكن الإستفادة من البحث الارتباطي للتنبؤ بالسبب دون الجزم به. فالتنبؤ يعد أحد أغراض البحث الارتباطي. وفي هذا يقول بورق وقول (1979) “معامل الارتباط يطبق لقياس درجة العلاقة بين متغيرين، وكذلك للكشف عن العوامل المسببة المحتملة التي يمكن اختبارها بواسطة المنهج التجريبي”.

 

أمثلة للبحوث الارتباطية:

  • العلاقة بين ارتفاع المعدل الدراسي وبين المتغيرات التالية:

– المشاركة في النشاط غيرر الصيفي.

– مستوى الذكاء.

– مستوى تكرر الغياب.

– المشاركة في الفصل.

 

  • العلاقة بين ارتفاع المعدل الدراسي في المرحلة الجامعية وبين المتغيرات التالية:

– درجة اختبار الاستعداد.

– المعدل الدراسي في المرحلة الثانوية.

 

  • متى يطبق البحث الارتباطي؟

يطبق البحث الارتباطي إذا كان الغرض من البحث:

 

  • معرفة ما إذا كان هناك علاقة أم لا بين متغيرين أو أكثر. كأن يكون الهدف من البحث معرفة هل هناك علاقة بين المشاركة في النشاط غير الصيفي، وبين ارتفاع المعدل الدراسي.

 

  • معرفة مقدار العلاقة (سالبة أم موجبة) بين متغيرين أو أكثر.

 

 

 

  • التنبؤ بتأثير متغير على متغير آخر. كأن يكون الهدف من البحث التنبؤ بارتفاع المعدل الدراسي للطالب في المرحلة الجامعية عند معرفة درجة استعداده، وميوله، ومعدله في المرحلة الثانوية مثلاً.

 

والتنبؤ لا تقتصر فائدته عند حصر العوامل المسببة المحتملة التي يمكن الجزم بأثرها بواسطة المنهج التجريبي أو ترجيح أثرها بواسطة البحث السببي المقارن فقط، وإنما تتجاوز ذلك إلى ما يلي:

 

– تقرير جدوى إجراء دراسة تجريبية لمعرفة أثر متغير دون غيره. وذلك لأن الدراسة التجريبية تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين.

 

– التوصل إلى فرض فروض علمية تساعد على تقدم المعرفة، أو تساهم في حل مشكلة ملحة.

 

  • كيف يطبق البحث الارتباطي؟

حدد إيزاك ومايكل (1981) خطوات تطبيق البحث الارتباطي بالخطوات التالية:

  • توضيح المشكلة.
  • مراجعة الدراسات السابقة.
  • تصميم البحث طبقاً للخطوات التالية:

– تحديد المتغيرات المراد دراستها.

– اختيار العينة.

– تصميم أو اختيار أداة البحث.

– اختيار مقياس الارتباط الذي يلائم مشكلة البحث.

 

وهذه باختصار هي الخطوات اللازمة لتطبيق البحث الارتباطي.

 

فبعد أن يوضح الباحث مشكلة البحث توضيحاً شاملاً لكل ما يلزم توضيحه من خطوات توضيح المشكلة التي سبق تفصيلها في الفصل الأول من الباب الأول في هذا الكتاب.

 

 

وبعد أن يراجع الدراسات السابقة ذات العلاقة بمشكلة البحث عبر الخطوات التي مرت أيضاً مفصلة في الفصل الثاني من الباب الأول في هذا الكتاب.

 

يبدأ بتطبيق البحث الارتباطي طبقاً للخطوات التالية:

  • تحديد مجتمع البحث.
  • اختيار عينة ممثلة لمجتمع البحث، بواسطة إحدى طرق اختيار العينة التي سبق تفصيلها في الفصل الثالث من الباب الأول في هذا الكتاب.
  • تصميم أو اختيار أداة البحث المناسبة.
  • جمع المعلومات.
  • تحليل المعلومات عبر الخطوات التالية وبالكيفية التي سبق تفصيلها في الفصل الرابع من الباب الأول في هذا الكتاب:

– مراجعة المعلومات.

– تبويب المعلومات.

– تفريغ المعلومات.

 

– تحليل المعلومات: وذلك بتطبيق مقياس الارتباط الذي يلائم مشكلة البحث ويتفق مع أهدافه. حيث أن هناك عدداً من مقاييس الارتباط (عشرة) ومن أهمها:

1- مقياس سبيرمان لمعامل الارتباط

2- مقياس بيرسون لمعامل الارتباط.

 

– تفسير الملعومات:

وبعد ذلك يقدم عرضاً مختصراً لماذا بحث؟ وكيف بحثه؟ وماذا توصل إليه؟ ثم يسرد النتائج التي توصل إليها وما يراه من توصيات مرتبطة بها.

 

  • المميزات والعيوب:

البحث الارتباطي كغيره من الأساليب الأخرى للبحث له مميزات وعيوب، ومن أهمها ما يلي:

 

 

 

 

  • أنه يساعد على معرفة العلاقة بين المتغيرات ودرجتها، ولكنه لا يوضح السبب والنتيجة، وهذا يجعل منه أسلوباً أولياً [shot-gun] يخلفه في التطبيق منهجاً آخر يوضح السبب والنتيجة.

 

إلا أن وجود علاقة قوية جداً يعد مؤشراً وبرهاناً للتنبؤ بالسبب والنتيجة، وكذلك إن لم يكن هناك علاقة، أو كانت غير عالية فهو مؤشر لعدم السببية. وهذا ما أكده لهمان ومهرنز (1979) بقولهما “إنه على الرغم من أن البحث الارتباطي لا يقتضي السببية، إلا أن معامل الارتباط إذا كان عالياً فهو مبرر علمي مهم يؤكد السببية”.

 

  • الظاهرة الإنسانية ظاهرة معقدة تتأثر بعوامل متعددة، منها ما يمكن دراسته، ومنها ما يخفي على الباحث. والبحث الارتباطي يصورها وكأنها ظاهرة طبيعية. فيقيس العلاقة ودرجتها بين سلوك إنساني ومتغير آخر، علماً بأن ما يتوصل إليه من نتائج قد تتغير كلياً أو جزئياً إذا أجريت الدراسة في ظروف مغايرة.

 

ومن أوضح الأمثلة على هذا القصور في البحث الارتباطي المثال الذي أورده بورق وقول (1979) عندما قالا “إنه قد يطبق المنهج الارتباطي لمعرفة العلاقة بين القسوة في التعامل – كأسلوب إداري-، والنجاح الإداري لدى عدد من مدراء المدارس. ويتوصل الباحث إلى أن هناك علاقة موجبة وقوية جداً بينهما، ولكنه قد يتوصل أيضاً إلى أن العلاقة          ضعيفة جداً (سالبة) بينهما إذا كان تطبيقه على عينة أخرى من المدراء الذين يطبقون أساليب إدارية أخرى. وذلك بسبب أنه ليس هناك صفات محددة تكفل نجاح مدراء المدارس في إدارتهم دون غيرها، وإنما النجاح يخضع لعوامل متعددة، منها ما يمكن معرفته بالبحث، ومنها ما لا يمكن”.

 

وهذا القصور في البحث الارتباطي يقود إلى قصور آخر أورده إيزاك ومايكل (1981) بقولهما “المنهج الارتباطي عرضة لتحديد علاقة بين متغيرين وهي غير صحيحة في الواقع، أو غير ثابتة وغير صادقة”.

 

 

 

 

 

إلا أنه على الرغم من هذه العيوب كلها، فالبحث الارتباطي يعد من أساليب البحث التي تطبق كثيراً في البحوث السلوكية، وذلك لأنه يكشف عن مؤشرات قوية تفيد في دراسة الظاهرة الإنسانية بل إنه يمتاز بما يلي:

 

  • بالبحث الارتباطي يمكن دراسة عدد من المشكلات ذات العلاقة بالسلوك البشري التي قد لا يمكن دراستها بواسطة مناهج البحث الأخرى.

 

  • على الرغم من أن البحث الارتباطي لا يطبق بغرض معرفة السبب والنتيجة إلا أنه يمكن تطبيقه لدراسة العلاقة بين عدد كبير من المتغيرات في دراسة واحدة. وهذه ميزة لها أثر كبير في دراسة السلوك الإنساني حيث أن ذلك السلوك غالباً لا يرتبط بمتغير واحد فقط، وإنما بمجموعة من المتغيرات. وهذا يساعد على معرفة السبب والنتيجة. وتبدو أهمية هذه الميزة للبحث الارتباطي إذا قورن بالمنهج التجريبي الذي قد يطبق لدراسة أثر متغير واحد فقط.

 

  • وأيضاً يمتاز البحث الارتباطي عن البحث السببي المقارن بأنه يمكن بواسطته معرفة درجة العلاقة بين المتغيرات المدروسة. وهذا لا يتأتى مع تطبيق البحث السببي المقارن.

 

فمثلاً “عند دراسة القدرة على التدريس الفعال بواسطة البحث السببي المقارن يتم تحديد مجموعتين من المدرسين: مجموعة جيدة ومجموعة ضعيفة، ومن ثم تخضع المجموعتان لعدد من المتغيرات المستقلة (الأسباب) لمعرفة أثرها.

 

وواضح أن تقسيم المدرسين إلى مجموعتين سون يكون تقسيماً إعتباطياً لإن في داخل كل مجموعة من هو أقدر على التدريس الفعال من الأخر. ولكن تطبيق البحث السببي المقارن لا يسمح بمعرفة تلك الفوارق بينما في البحث الارتباطي يتم ذلك” ترجمة.

 

 

 

 

وأضاف لهمان ومهرنز (1979) سمة أخرى يمتاز بها البحث الارتباطي هي “أن البحث الارتباطي يساعد على حصر المتغيرات ذات العلاقة، واستبعاد المتغيرات التي ليس لها علاقة، حتى لا يتبدد الجهد ويتوزع في دراسة أثر متغيرات ليس بينها وبين الظاهرة المدروسة أية علاقة”.


لتنمية مهاراتك وللحصول على دورات مجانية و منح دراسية و شهادات معتمدة يمكنك التسجيل بـ سيرتيفياند

Comments

comments