المنهج الوصفي “التتبعي”

  • مفهوم البحث التتبعي.

يختلف المؤلفون العرب كثيراً في تسميتهم لهذا النوع من أنواع المنهج الوصفي فمثلاً عميره (1974)، وزيدان (بدون) أطلقوا عليه اسم دراسات النمو والتطور، وعبيدات وزملائه (1982) أطلقوا عليه اسم الدراسات النمائية، بينما الزوبعي (1981) سماه بدراسة التطور، أما الفوال (1982) فقد سماه بالدراسة التتبعية.

 

وواضح جداً أن هذا الاختلاف جاء من عدم الاتفاق على ترجمة كلمة Develoment، فهناك من يترجمها إلى تطور، وهناك من يترجمها إلى نمو، وسواء ترجمت بالنمو أو بالتطور فمدلولها هنا يشير إلى ذلك النوع من البحوث الذي يطبق بغرض “قياس مقدار التطور أو التغير الذي يحصل بفعل عامل الزمن على استجابة العينة نحو الموقف المطروح”.

 

وهذا المدلول يؤكد تسمية هذا النوع بـ (البحث التتبعي) بدلاً من التسميات الأخرى لإنه بالتتبع يمكن معرفة مقدار النمو والتطور أو التغير وأنماطه التي تطرأ على الاستجابة سواء تم قياس ذلك مرة واحدة بواسطة اشتمال العينة على فئات عمرية مختلفة (المسح المستعرض)، أو عدداً من المرات بواسطة تكرار البحث بفترات زمنية متباعدة (المسح الطولي).

 

أساليب البحث التتبعي:

يمكن تطبيق البحث التتبعي بأحد الأسلوبين التاليين:

 

  • المسح المستعرض Cross- Sectional Surveg.

وهو ما يطبق لقياس مقدار التطور أو التغير في الاستجابة بشكل غير مباشر. حيث يجري مرة واحدة بواسطة اختيار عينة ذات فئات عمرية مختلفة، وبمقارنة استجابة تلك الفئات نحو الموقف المطروح يتضح أثر الزمن على النمو والتطور أو التغير في الاستجابة.

 

 

 

 

فمثلاً إذا أراد الباحث أن يعرف أثر الفرق في العمر على استجابة العينة حول عمل المرأة المسلمة في مجالات معينة لا تتفق مع قيمها وطبيعتها الأنثوية. فقد يتجه أفراد العينة ذوي الأعمار الشابة إلى التأييد، بينما يتجه ذوي الأعمار الأكثر تقدماً إلى المعارضة وذلك بسبب ما عرفوه من تجربتهم في الحياة من أمور سيئة أفرزها زج المرأة في مجالات بعيدة عن قيمها وطبيعتها.

 

وقد يهدف المسح المستعرض لمجرد تشخيص الواقع ووصفه، وتفسيره في إطار زمني محدد. حيث قد يتغير هذا التشخيص عندما تجري الدراسة في وقت لاحق. وهو بهذا يشبه البحث المسحي إلا أنه يختلف عنه من حيث التركيز على أثر الوقت في إجراء الدراسة، فليس الهدف من المسح المستعرض الوصف وتشخيص الواقع فقط كما هي عليه الحال بالنسبة للبحث المسحي، وإنما التفسير في ظل الوقت الذي أجريت فيه الدراسة.

 

فمثلاً عندما يهدف الباحث لدراسة مدى حاجة المجتمع لخريجي قسم من الأقسام الجامعية (الأعلام) مثلاً، فما يتوصل إليه من نتائج يكون مربوطة بوقت إجراء الدراسة ويتم تفسيرها طبقاً لذلك الوقت فقط.

 

  • المسح الطولي Longitudinal Survey

وهو ما يجري لقياس مقدار النمو والتطور أو التغير في الاستجابة بشكل مباشر، حيث تجري الدراسة في أكثر من مرة، وبمقارنة نتائج الدراسة في المرة الأولى بنتائجها في المرة الثانية مثلاً يتضح أثر عامل الوقت في النمو والتطور، أو التغير في الاستجابة نحو الموقف المطروح.

 

للمسح الطولي تصميمات ثلاثة هي:

 

  • دراسة الاتجاه Trend Study

تطبق الدراسة على عينة ثم يُعاد تطبيقها مرة أخرى ولكن على عينة ثانية على أن يتم اختيار العينتين من مجتمع متغير [أي غير مقيد بأفراد معينين].

 

 

 

فمثلاً، قد يختار الباحث عينة من طلاب كلية التربية في الفصل الأول في العام الجامعي ليسألهم عن رأيهم في نظام الساعات، ثم يختار عينة ثانية في الفصل الثاني من العام الجامعي ليسألهم الأسئلة ذاتها. فالأسئلة واحدة، ومجتمع البحث واحد (طلاب كلية التربية)، أما عينة البحث فهي – كما اتضح – متغيرة. فأفراد العينة في المرة الثانية ليسوهم أفرادها في المرة الأولى.

 

2- دراسة العصبة Cohort Study

تطبق الدراسة على عينة ثم يُعاد تطبيقها مرة أخرى ولكن على عينة ثانية يتم اختيارهما من مجتمع بحث ثابت [أي مقيد بأفراد معينين].

 

فمثلاً، قد يختار الباحث عينة من طلاب كلية التربية في أول الفصل الدراسي الأول ليسألهم عن رأيهم في نظان الساعات، ثم يختار عينة ثانية في وسط الفصل الدراسي الأول ليسألهم الأسئلة ذاتها، وقد يكرر الأسئلة على عينة ثالثة في آخر الفصل الدراسي الأول. فالأسئلة واحدة، ومجتمع البحث واحد (طلاب كلية التربية المسجلين في الفصل الدراسي الأول فقط)، أما عينة البحث فهي متغيرة، فأفراد العينة الأولى غير أفراد العينة الثانية.. وهكذا.

 

3- دراسة الجرء Panel Study

في هذا التصميم تكرر الدراسة ذاتها على عينة ثابتة [أي مقيدة بأفراد معينين].

 

فمثلاً: قد يختار الباحث عينة من طلاب كلية التربية في أول الفصل الدراسي ليسألهم عن رأيهم في نظام الساعات، ثم يكرر الأسئلة ذاتها على العينة ذاتها أيضاً مرة أخرى في منتصف الفصل الدراسي، وقد يعيدها مرة ثالثة على العينة ذاتها في آخر الفصل الدراسي… وهكذا.

 

 

 

 

أمثلة للبحوث التتبعية:

  • مقارنة بين أراء المعيدين، والمحاضرين، وأعضاء هيئة التدريس في قسم من الأقسام العلمية بالجامعة حول برنامج الدراسات العليا في القسم لمعرفة أثر الوقت (الخدمة) في استجابة العينة بفئاتها المختلفة حول المواقف المطروحة (مسح مستعرض).

 

  • دراسة إتجاهات طلبة كلية التربية مثلاً حول نظام الساعات وتطبيقها على:

– عينة في أول العام الجامعي، ثم على عينة ثانية في آخر العام الجامعي. (عينة متغيرة من مجتمع بحث متغير) [دراسة الاتجاه].

– عينة في أول الفصل الدراسي الأول، ثم على عينة ثانية في آخر الفصل الدراسي الأول. (عينة متغيرة من مجتمع بحث ثابت) [دراسة العصبة].

– عينة في أول الفصل الدراسي الأول، وإعادتها مرة أخرى على العينة ذاتها في آخر الفصل الدراسي الأول. (عينة ثابتة من مجتمع بحث ثابت) [دراسة الجزء].

 

  • متى يطبق البحث التتبعي؟

بالرغم من تعدد تصميمات البحث التتبعي، وما يتبع ذلك من اختلاف في خطواتها الإجرائية، إلا أنها تتحد جميعاً في وحدة الهدف العام الذي يمكن تحقيقه بواسطتها. فالبحث التتبعي – كما اتضح من مفهومه – يطبق أساساً لمعرفة مقدار التطور والنمو أو التغير الذي يحصل بفعل عامل الزمن على استجابة العينة نحو الموقف المطروح. ولهذا يمكن القول بأن البحث التتبعي يطبق فقط عندما يكون الهدف من البحث.

 

  • معرفة مقدار النمو واتطور أو التغير الذي يحصل بفعل عامل الزمن على استجابة العينة نحو الموقف المطروح.

 

  • معرفة مدى الثبات والتغير في الانجاهات السائدة نحو الموقف المطروح بعد مرور مدة من الزمن دون التزام بعينات ثابتة أو مجتمع بحث ثابت.

 

 

 

  • معرفة مدى الثبات والتغير في استجابة مجتمع البحث نحو الموقف المطروح بواسطة اختيار عينات مختلفة منه تطبق عليها الدراسة بأوقات مختلفة.

 

  • معرفة مدى الثبات والتغير في استجابة عينة البحث نحو الموقف المطروح بعد مرور مدة من الزمن.

 

  • كيف يطبق البحث التتبعي؟

حدد إيزاك ومايكل (1981) خطوات تطبيق البحث التتبعي بالخطوات التالية:

  • توضيح المشكلة وتحديد أهداف.
  • مراجعة الدراسات السابقة.
  • تصميم البحث: أي اختيار التصميم الملائم لأهداف البحث من تصميمات البحث التتبعي، وتحديد خطواته الإجرائية.
  • جمع المعلومات.
  • تحليل المعلومات وعرض النتائج.

 

فالباحث عند تطبيقه للبحث التتبعي لابد له من:

أولاً: توضيح مشكلة البحث توضيحاً شاملاً لكل ما يتطلب البحث توضيحه من النقاط التالية وبالكيفية التي تم تفصيلها في الفصل الأول من الباب الأول في هذا الكتاب.

– التمهيد للمشكلة.                      – تعريف المشكلة وتحديد أسئلة البحث.

– فروض البحث.                       – أهداف البحث.

– أهمية البحث.                         – الإطار النظري.

– حدود البحث.                         – قصور البحث.

– مصطلحات البحث.

 

ثانياً: مراجعة الدراسات السابقة بالكيفية التي تم تفصيلها في الفصل الثاني من الباب الأول في هذا الكتاب.

 

 

 

 

ثالثاً: تصميم البحث وتحديد خطواته الإجرائية طبقاً لما يتطلبه التصميم التتبعي المختار، وما ينبني عليه من توضيح للنقاط التالية:

– مجتمع البحث.                       – عينة البحث.

– أداة البحث.                           – كيفية جمع المعلومات.

– كيفية تحليل المعلومات.

 

رابعاً: جمع المعلومات بعد كل مرة تطبق فيها الدراسة.

 

خامساً: تحليل المعلومات وتفسيرها أولاً بأول متبعاً في ذلك خطوات التحليل التي سبق تفصيلها في الفصل الرابع من الباب الأول في هذا الكتاب. ثم إجراء المقارنات اللازمة بعد إنهاء الدراسة بواسطة تطبيق ما يناسب البحث من أساليب التحليل الكمي التي تقيس الفرق. ليتضح أثر ذلك ما أحدثه عامل الوقت من نمو أو تغير في استجابة العينة.

 

سادساً: عرض النتائج، وما يرتبط بها من توصيات يراها الباحث.

 

  • المميزات والعيوب:

البحث التتبعي يختلف عن غيره من أنواع البحوث في المنهج الوصفي من حيث مميزاته وعيوبه، فهو في الحقيقة – وكما اتضح من عرضه – ذو عدة تصميمات، ولكل تصميم منها مميزاته وعيوبه.

 

فالمسح المستعرض مثلاً يفوق المسح الطولي من حيث قلة التكلفة والجهد حيث أنه لا يجري إلا مرة واحدة، وكذلك من حيث ما يتطلبه إجرائه من وقت قصير.

 

ولكن المسح الطولي يفوقه كثيراً في صدق النتائج التي يتم التوصل إليها بواسطته وذلك بسبب المتابعة وقياس أثر الوقت على الاستجابة نحو الموقف المطروح بشكل مباشر.

 

 

 

 

إلا أن اتصاف المسح الطولي بهذه الميزة أدى إلى بعض العيوب. فعلاوة على ما يتطلبه المسح الطولي من وقت طويل وتكاليف باهظة، هناك بعض عيوب أخرى ومن أهمها العيبين الذين أوردهما بابي (1973): وهما:

 

1- النقص الطبيعي المصاحب لدراسة الجزء Panel attrition الذي يأتي من عدم مشاركة بعض أفراد العينة – الذين شاركوا في المرة الأولى – في المرة الثانية إما لعدم الرغبة، أو لعوامل طارئة.

 

ولتأكيد هذا العيب يقول بورق وقول (1979) بأن أثره لا يقتصر على مجرد النقص في أفراد العينة، وإنما قد يؤدي النقص إلى التحيز، كأن يكون معظم الذين يتعيبون عن الدراسة في المرة الثانية من ذوي اتجاه واحد. وبذلك لن تؤدي المقارنة إلى الاستدلال العلمي الصحيح.

 

2- صعوبة تحليل المعلومات في دراسة الجزء وذلك بسبب ما يمكن أن يظهر من اختلافات في إجابات العينة في المرة الثانية عن المرة الأولى. أمام هذه العيوب يمكن القول بأنه على الرغم من أن البحث التتبعي وبخاصة المسح الطولي منه يعد أسلوب بحث جيد، وسوف ينتهي بالباحث إلى الوصول إلى استنتاجات علمية يمكن الاعتماد عليها، إلا أن ما يتطلبه من جهد ووقت كبيرين يجعلا من المتعذر على الباحث المحكوم بوقت قصير وإمكانات محدودة أن يجريه.

 

ولهذا فالبحث التتبعي يعد أسلوباً جيداً للتطبيق من قبل الجامعات ومراكز البحوث التي تستطيع الاستمرار – كما أشار إيزاك ومايكل (1981) – في المشاريع البحثية بما لديها من إمكانات بشرية ومادية.


لتنمية مهاراتك وللحصول على دورات مجانية و منح دراسية و شهادات معتمدة يمكنك التسجيل بـ سيرتيفياند

Comments

comments