المنهج الوصفي “السببي المقارن”

  • مفهوم البحث السببي المقارن:

البحث السببي المقارن يشبه البحث الوثائقي من حيث نظرة علماء المنهجية له.

 

فهناك من يٌعده أحد أنواع المنهج الوصفي، ومن هؤلاء فان دالين (1952) الذي قال عنه ليميزه عن غيره من الأنواع إنه لا يقف عند حد وصف الظاهرة فقط، وما يسبق ذلك من جمع للمعلومات حول الحالة الحاضرة والموجودة فعلاً، ولكنه – أي البحث السببي المقارن – علاوة على وصف الظاهرة فهو يُمكن من معرفة العلاقات المتبادلة بين الحقائق مما يُيسر فهمها وتفسيرها.

 

وهناك من يرى أن البحث السببي المقارن يمكن أن يعد منهجاً وصفياً، أو منهجياً ارتباطياً، أو منهجاً تجريبياً. ومن الذين يرون هذا الرأي لهمان ومهرنز (1979) حيث قالا “إن المنهج التاريخي يطبق للإجابة على سؤال (ماذا كان؟)، والمنهج الوصفي يطبق للإجابة على سؤال (ماذا يكون؟)، والمنهج الإرتباطي يطبق للإجابة على سؤال (ماذا سوف يكون؟)، والمنهج التجريبي يطبق للإجابة على سؤال (لماذا “ماذا يكون” حقيقة يكون؟). ولكن المنهج السببي المقارن يمكن أن يكون منهجاً وصفياً، أو منهجاً ارتباطياً، أو منهجياً تجريبياً. فهو منهجاً وصفياُ لإن الباحث المطبق له لابد أن يصف الظاهرة كما لاحظها، وهو أيضاً منهجاً ارتباطياً لإنه يحدد العلاقات المسببة للظاهرة الملاحظة: أي يحاول معرفة العلاقة بين متغير (السبب) ومتغير آخر (النتيجة) وهي الظاهرة الملاحظة. وأخيراً هو منهجاً تجريبياً لإنه يطبق بغرض معرفة السبب والنتيجة”.

 

وهناك من يرى أن البحث السببي المقارن منهجاً للبحث قائماً بذاته، ومن هؤلاء بورق وقول (1979)، واسزاك ومايكل (1981)، وكرلينجر (1973) الذي عرف المنهج السببي المقارن بقوله “يمكن أن يُعرَّف المنهج السببي المقارن بأنه ذلك البحث الذي تكون فيه المتغيرات المستقلة (الأسباب) ظاهرة ومعروفة، ويبدأ الباحث بملاحظة المتغيرات التابعة (النتائج)، ومن ثم بدراسة المتغيرات المستقلة لمحاولة معرفة علاقتها المحتملة وآثارها على المتغيرات التابعة”.

 

 

 

 

وبأسلوب أكثر وضوحاً يمكن أن نقول أن البحث السببي المقارن هو ذلك النوع من البحوث الذي يطبق لتحديد الأسباب المحتملة – ولهذا سمي السببي – التي كان لها تأثير على السلوك المدروس، ليس من خلال التجربة، كما هي عليه الحال بالنسبة للمنهج التجريبي، وإنما من خلال مقارنة من يسلك ذلك السلوك أو يتصف به بمن لا يسلكه أو يتصف به – ولهذا سمي بالمقارن-.

 

وقد يبدو أن هناك شبهاً بين البحث الوثائقي، والبحث السببي المقارن خاصة أنه من الممكن استخدام الوثائق والمصادر لمعرفة الأسباب الكانتة وراء سلوك معين، إلا أن البحث الوثائقي لا تجري فيه المقارنة بين مجموعتين، بينما في البحث السببي المقارن تجري المقارنة. وعندما تجري المقارنة في البحث الوثائقي يكون بحثاً سببياً مقارناً لا بحثاً وثائقياً.

 

فمثلاً قد يهدف الباحث لمعرفة العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع المعدل الدراسي. فيطبق حينئذ البحث السببي المقارن لتحقيق هذا الهدف بتحديد عدد من العوامل، ومن ثم الرجوع إلى ملفات عينة من الطلاب ذوي المعدل المرتفع، وعينة أخرى من الطلاب ذوي المعدل غير المرتفع لمقارنتها. وبالتالي يستطيع أن يتبين أثر تلك الأسباب في ارتفاع المعدل الدراسي أو انخفاضه بواسطة استخدام الوثائق.

 

الفرق بين البحث السببي المقارن، والبحث الارتباطي، والمنهج التجريبي:

هناك أوجه شبه بين كل من البحث السببي المقارن، والبحث الارتباطي، والمنهج التجريبي وهناك أيضاً أوجه اختلاف. فمن أوجه الشبه أنها كلها تبحث وتطبق لغرض معرفة العلاقة بين متغيرين ولكن البحث الارتباطي يقتصر على معرفة العلاقة ودرجتها، بينما البحث السببي المقارن يكشف عن الأسباب المحتملة للنتيجة المدروسة. أما المنهج التجريبي فيوضح أثر سبب معين في وجود النتيجة.

 

مثال:

عدد دراسة العلاقة بين التدخين والسرطان الرئوي يمكن تطبيق المناهج الثلاثة على النحو التالي:

 

 

 

  • البحث الارتباطي: لتوضيح هل هناك علاقة بين التدخين والسرطان الرئوي، وما مقدارها. ولكن دون الدخول في معرفة هل التدخين هو الذي سبب السرطان الرئوي، أم أن السرطان الرئوي كان بفعل عامل آخر.

 

  • البحث السببي المقارن: لتوضيح هل كان التدخين من بين المسببات للسرطان الرئوي وذلك بدراسة حالة مجموعتين من الذين ماتوا بسبب السرطان الرئوي مجموعة مدخنة، ومجموعة غير مدخنة. أي أن التشخيص لمعرفة السبب بعد وقوع الحالة.

 

  • المنهج التجريبي: ويتم فيه معرفة أثر التدخين كسبب من أسباب السرطان الرئوي بإخضاع مجموعة تجريبية للتدخين فترة طويلة، وحجبه عن مجموعة أخرى (ضابطة). فإذا تبين أن المجموعة المدخنة تصاب بالسرطان الرئوي أكثر من غير المدخنة فيمكن حينئذ الجزم بأثر السبب (التدخين) على النتيجة (السرطان الرئوي).

 

مثال آخر:

عند دراسة العلاقة بين الحصول على رخصة قيادة وكثرة الحوادث المرورية يمكن تطبيق المناهج الثلاثة على النحو التالي:

 

  • البحث الارتباطي: لتوضيح هل هناك علاقة سالبة أو موجبة بين حمل الرخصة وكثرة الحوادث المرورية، دون التطرف لمعرفة هل حمل الرخصة هو السبب في قلة الحوادث أم لا.

 

  • البحث السببي المقارن: لتوضيح هل كان حمل الرخصة من بين المسببات للحوادث المرورية. وذلك بدراسة ملفات مجموعتين من الذين وقعت لهم حوادث مرورية، مجموعة من الذين يحملون الرخص، ومجموعة لا تحملها ليتبين هل الذين يحملون الرخص أقل تعرضاً للحوادث المرورية من الذين يحملو رخصة قيادة أم لا.

 

 

 

  • المنهج التجريبي: ويتم تطبيقه باختيار عدد من الذين يقودون السيارات وتقسيمهم إلى مجموعتين. مجموعة تُختبر في القيادة وتُعطي رخص قيادة، ومجموعة لا تُختبر. وبعد مرور عام على مزاولتهم للقيادة. تُراجع ملفاتهم لمقارنة أي المجموعتين أكثر تعرضاً للحوادث. وبهذا يمكن الحكم بشكل قاطع – إذا ضبطت المتغيرات الأخرى – على أثر حمل الرخصة في التقليل من التعرض للحوادث.

 

مثال للبحوث السببية المقارنة:

معرفة أثر العوامل التالية في رفع مستوى التحصيل الدراسي.

  • عدم تكرار الغياب.
  • المشاركة في النشاط غير الصيفي.
  • حل الواجبات المنزلية.

 

فالباحث لهذا المثال سوف يختار مجموعتين من الطلاب: مجموعة ذات معدل دراسي مرتفع، ومجموعة ذات معدل دراسي غير مرتفع وذلك بواسطة الرجوع لتقاريرهم. ثم يبحث عما إذا كان لهذه العوامل أثر في ارتفاع المعدل أم لا، ثم يتوصل في النهاية للإجابة.

 

ولكنها تبقى إجابة محتملة الصدق وعدمه لإنه لم يجر الدراسة تجريبياً. إلا أن احتمال الصدق هنا سوف يكون مرتفعاً إذا كان هناك تكافؤ بين المجموعتين في بقية العوامل التي يمكن أن يكون لها تأثيراً. وكذلك إذا كان اختيار العوامل المدروسة جاء بعد خلفية علمية متكاملة لدى الباحث بالموضوع.

 

  • متى يطبق البحث السببي المقارن؟

يقول بست (1981) “إن هناك حالات، وظاهرات معينة، وأنواع من السلوك لا يمكن إخضاعها للتجريب لمعرفة الإجابة على سؤال: ما هي العوامل المحتملة التي يبدو أنها ذات تأثير في ظهور ظاهرات محددة، أو حالات معينة، أو أنواع من السلوك… إلخ”.

 

 

 

 

وبست Best بمقولته هذه يشير إلى متى يكون البحث السببي المقارن هو أولى أساليب البحث بالتطبيق.

 

فالبحث السببي المقارن يطبق فقط عندما يكون الغرض من البحث محاولة الكشف عن الأسباب المحتملة من وراء سلوك معين، بواسطة دراسة العلاقة السببية المحتملة بين متغير ومتغير آخر من خلال ما يمكن جمعه من معلومات عن السلوك المراد دراسته.

 

  • كيف يطبق البحث السببي المقارن؟

يبدأ الباحث في تطبيقه للبحث السببي المقارن بتوضيح كامل لمشكلة البحث متبعاً في ذلك الخطوات اللازمة لتوضيحها التي سبق تفصيلها في الفصل الأول من الباب الأول في هذا الكتاب.

 

ثم يراجع الدراسات السابقة – إن كان هناك من دراسات تناولت المجال المراد دراسته إجمالاً أو تفصيلاً – أيضاً بالكيفية التي سبق تفصيلها في الفصل الثاني من الباب الأول في هذا الكتاب.

 

والبحث السببي المقارن لا يختلف عن بقية أنواع البحوث الأخرى في كيفية تطبيق هاتين الخطوتين (توضيح مشكلة البحث) و (مراجعة الدراسات السابقة) ولكن لأهمية (فروض البحث) فيه لابد من تفصيل الكلام عنها هنا.

 

ففروض البحث تعد هي المحور الأساسي الذي تدور حوله العملية البحثية في البحث السببي المقارن. فالباحث لا يستطيع أن يجري البحث ما لم تتوافر لديه خلفية علمية كافية تجعل عنده تصور عام عن الأسباب المحتملة (الفروض) ذات الأثر على الظاهرة المدروسة.

 

 

 

 

ونظراً لإن الباحث لن يستطيع الجزم بتأثير ما يفترضه من أسباب بسبب عدم التجريب، فيرى علماء المنهجية ومنهم مايكل وإيزاك (1981) أنه يتعين عليه أن يسرد الأسباب المحتملة (الفروض) التي توصل إليها، ويعتقد أنه من المحتمل جداً أن يكون لها أثر، ثم يتبعها بسرد البدائل (الفروض البديلة). وهذا يساعده لإن يتوصل إلى نتائج دقيقة في معرفة الأسباب ذات الأثر.

 

ولأهمية فروض البحث في البحث السببي المقارن يشترط علماء المنهجية على الباحث أن يوضح المسلمات التي اعتمد عليها في فرضه لكل فرض، حيث أن إدراك الباحث لهذا والتزامه به سوف يساعده على قصر الجهد على الأسباب المحتملة فعلاً، وبدائلها دون سواهما.

 

وبعد توضيح المشكلة، ومراجعة الدراسات السابقة، يقوم الباحث يتصميم بحثه ويحدد خطواته الإجرائية.

 

والخطوات الإجرائية للبحث السببي المقارن تشتمل على ما يلي:

  • تحديد مجتمع البحث.
  • اختيار عينة البحث: أي يختار مجموعتين متشابهتين ومتكافئتين تماماً في معظم الخصائص ماعدا الخاصية (المتغير المستقل) المراد دراستها.

 

مجموعة تجريبية: توجد فيها الخاصية المراد دراستها: كأن يكون أفراد المجموعة من ذوي المعدل الدراسي المرتفع.

 

وهنا أيضاً يحاول الباحث أن يكون أفراد المجموعة متشابهين أيضاً فيما بينهم إلى حد كبير: كأن تكون أعمارهم متقاربة، ونسبة ذكائهم متقاربة أيضا… إلخ.

 

ومجموعة ضابطة: تشبه المجموعة الأولى في خصائصها ماعدا الخاصية المراد دراستها كأن يكونوا من ذوي المعدل الدراسي غير المرتفع.

 

 

 

 

  • جمع المعلومات: وذلك بتصميم أو اختيار الأداة المناسبة لجمع المعلومات، ومن ثم تطبيقها، فقد تكون الأداة، استبانة، أو مقابلة، أو اختبارات مقننة، أو تحليل وثائقي لملفات الطلاب مثلاً… إلخ.

 

  • تحليل المعلومات: باتباع الخطوات التي مرَّت مفصلة في الفصل الرابع من الباب الأول في هذا الكتاب التي تشتمل على:

 

–  مراجعة المعلومات.

تبويب المعلومات.

– تفريغ المعلومات.

– تحليل المعلومات.

– تفسير المعلومات.

 

  • ملخص البحث وعرض النتائج والتوصيات: وهنا يوضح الباحث ما توصل إليه من نتائج، وما يرتبط بها من توصيات يراها بالكيفية التي مرت أيضاً مفصلة في الفصل الخامس من الباب الأول في هذا الكتاب.

 

  • المميزات والعيوب:

يعد البحث السببي المقارن من أساليب البحث التي تطبق كثيراً في البحث في العلوم السلوكية وذلك كما يقول بورق وقول (1983) بسبب سهولة معرفة وإجراء المعالجات الإحصائية اللازمة لتطبيقه، التي يغلب أن تكون إما اختبارات أو تحليل التباين T Test or Analysis of Variance وكذلك بسبب ما يتسم به من مميزات مثل:

 

  • أن هناك الكثير من المشكلات، والنماذج السلوكية التي لابد من دراستها ولكن لا يمكن دراستها تجريبياً لمعرفة مسبباتها، ومدى علاقة تلك الأسباب بها، وأثرها في ظهورها. وإنما يمكن تشخيص حالتها الحاضرة، واستنتاج الأسباب المؤثرة، وأنسب أسلوب بحث لتحقيق ذلك هو البحث السببي المقارن.

 

 

 

فمثلاً: “عند إجراء دراسة تجريبية – أي بواسطة تطبيق المنهج التجريبي – لمعرفة هل التخلف العقلي يؤثر على مستوى تعلم طلاب الصف الثاني إبتدائي للمباديء الرياضية البسيطة، لابد من اختيار عينة من الطلاب وتقسيمهما إلى مجموعتين مجموعة تجريبية يتم عرضها للتجربة أن يُخضع أفرادها للتخلف العقلي، ومجموعة ضابطة لا تعاني من تخلف عقلي والسؤال هنا هنا يستطيع الباحث أياً كان أن يجري مثل هذه الدراسة؟ طبعاً لا.

 

أما عند دراسة هذا الموضوع بواسطة تطبيق البحث السببي المقارن، فالباحث سوف يبحث عن مجموعة تجريبية أفرادها من المتخلفين عقلياً، ومجموعة ضابطة أفرادها أسوياء، أي ليسوا متخلفين عقلياً. ويجري الدراسة ليستنتج هل هناك فرق بين المجموعتين في تعلم المباديء الرياضية البسيطة، وإن كان كذلك فما الأسباب التي أوجدت ذلك الفرق؟، وقد يتوصل إلى أن التخلف العقلي هو السبب الوحيد. ولكن السؤال أيضاً هل يستطيع الباحث أن يحزم بأن التخلف العقلي السبب الوحيد؟ طبعاً لا، وذلك لأنه أيضاً لا يستطيع أن يحزم بما يلي:

– عدم وجود سبباُ آخر غير ملاحظ.

– عدم اشتراك سببين معاً دون فصلهما عن بعضهما البعض.

– عدم وجود سبب معين في حالة، وسبب آخر في حالة أخرى”.

 

ولكن مع هذا يبقى البحث السببي المقارن أسلوب بحث ذو أثر كبير في تقدم البحث العلمي في العلوم السلوكية. فهو كما قال كرلينجر (1973) “إذا كان هناك من دراسات ذات قيمة علمية كبيرة في أي من علم النفس، الإجتماع، التربية، فلابد من أنها بُحثت بحثاً سببياً مقارناً قبل أن تبحث تجريبياً”.

 

  • أيضاً مما يمتاز به البحث السببي المقارن أنه يمكن بواسطته دراسة العلاقة بين عدد كبير من المتغيرات المستقلة (الأسباب) وبين نتيجة واحدة. وهذا يساعد على صحة تفسير النتائج التي يتوصل إليها الباحث خاصة عندما يحتاط ويدرس أثر كل الأسباب الممكنة مما يجعله يتأكد من أثر بعضها بالمقارنة للبعض الآخر. إلا أن هذا أيضاً لا يرفع مستوى البحث السببي المقارن لمستوى المنهج التجريبي لأن الباحث المطبق له.

 

 

 

– لا يجري التجربة لمعرفة أثر السبب على النتيجة.

– يختار الأفراد – الذين يكوِّنون المجموعتين التجريبية والضابطة – اختياراً فردياً.

– لن يتمكن من وجود مجموعتين من الأفراد متشابهتين تماماً في كل المتغيرات عدا المتغير المراد دراسته.

 

إلا أن هذا أيضاً لا يقلل من قيمة البحث السببي المقارن، فهو كما قال عنه لهمان ومهرنز (1979) “ليس هناك من أدنى شك بأن البحث السببي المقارن لا يُقارن مع المنهج التجريبي، إلا أنه يُمكِّن من الوصول إلى مؤشرات قوية وذات قيمة علمية كبيرة في فهم الظاهرة المدروسة وطبيعتها”.


لتنمية مهاراتك وللحصول على دورات مجانية و منح دراسية و شهادات معتمدة يمكنك التسجيل بـ سيرتيفياند

Comments

comments