المنهج الوصفي “الوثائقي”

  • مفهوم البحث الوثائقي:

هناك اختلاف واضح لدى علماء النهجية في مدلول المصطلحات التالية:-

  • المنهج التاريخي.
  • المنهج الوثائقي.
  • المنهج المكتبي.
  • المنهج التحليلي.
  • تحليل المحتوي.

 

فمثلاً هناك من وضع عنوانا بـ المنهج التاريخي وأراد به كلا المنهجين:

  • المنهج التاريخي: الذي يطبق عندما يُراد إجابة سؤال عن الماضي من خلال المصادر التاريخية أساسية كانت أم ثانوية.

 

  • والمنهج الوثائقي: الذي يطبق عندما يُراد إجابة سؤال عن الحاضر من خلال المصادر المعاصرة أساسية كانت أم ثانوية.

 

ومن هؤلاء قان دالين (1966) حيث أكد أن المنهج التاريخي بصفته منهج بحث يمكن تطبيقه لا على المشكلات ذات الطابع التاريخي وحدها وإنما يمكن أيضاً تطبيقه على أي بحث يرجع فيه الباحث إلى المصادر ليستقي منها أدلة وبراهين تجيب على أسئلة بحثه. ولكنه أيضاً في موضع آخر عد المنهج الوثائقي من أنواع المنهج المسحي الذي يعد أحد أنواع المنهج الوصفي.

 

وهناك من عكس هذا تماماً ووضع عنواناً بالمنهج الوثائقي وأراد به أيضاً كلا المنهجين التاريخي والوثائقي. ومن هؤلاء هيل وي (1969) الذي يُعد من أوائل من كتب عن المنهج الوثائقي حيث قال “عندما يريد الباحث أن يدرس وقائع وحالات ماضية، أو عندما يريد تفسير وثائق تربوية ذات ارتباط بالحاضر، فلابد له من منهج يختلف عن المنهج المسحي والمنهج التجريبي. وهذا المنهج هو المنهج الوثائقي الذي يعني الجمع المتأني والدقيق للوثائق المتوافرة عن مشكلة البحث، ومن ثم القيام بتحليلها تحليلاً يستطيع الباحث بموجبه إستنتاج ما يتصل بمشكلة البحث من نتائج” ترجمة.

 

 

 

وواضح أن سبب هذا الخلط بين مصطلحي “المنهج التاريخي” و “المنهج الوثائقي” هو تشابه الخطوات. فخطوات المنهج التاريخي هي ذاتها خطوات المنهج الوثائقي التي حددها هيل وي (1969) بقوله “أهم خطوات المنهج الوثائقي هي تحديد المصادر، وتقويمها خارجياً وتقويماً داخلياً، ومن ثم تفسيرها”.

 

إلا أنه على الرغم من تشابه الخطوات بين المنهج التاريخي والمنهج الوثائقي، هناك من يرى أن المنهج الوثائقي يُعد واحداً من المناهج التي تصف الظاهرة (الوصفي) إنطلاقاً من أن الغرض من البحث الوثائقي يكمن في معرفة الإجابة على سؤال حول ظاهرة معاصرة من خلال دراسة وتحليل ما يتعلق بها من وثائق ودراسات معاصرة، لإنه ليس بالضرورة أن تكون الوثائق والسجلات تاريخية، أي مرتبطة بالماضي.

 

ومن الذين يرون هذا الرأي داير (1979) الذي قال في معرض حديثه عن المنهج الوصفي بأن السجلات الإحصائية، والوثائق الشخصية، والوثائق الرسمية… إلخ من الأشياء التي يستعان بها لوصف الظاهرة.

 

أما بست (1981) فهو يؤكد أنه عند استخدام الوثائق في البحث الوصفي فلابد من تطبيق أنواع النقد التي تستخدم في المنهج التاريخي.

 

أما آري (1972) فقد عند التحليل الوثائقي أحد أنواع الدراسات الوصفية.

 

وهناك: من يرى أن مدلول المصطلحات التالية (البحث التاريخي) و (البحث المكتبي) و (تحليل المحتوي) واحد وهو مرادف لمدلول مصطلح (التحليل الوثائقي) الذي يعني التحليل الكمي للوثائق والسجلات. ومن الذين يرون هذا الرأي رمل (1964) حيث قال تحت عنوان “التحليل الوثائقي” “أن التحليل الوثائقي في البحث يتم من خلال الوثائق المتوافرة، ويسمى منهج البحث المكتبي، أو البحث التاريخي، أو تحليل المحتوي. ويأخذ التحليل الوثائقي الطابع الكمي في سرد ما يمكن تعريفه وتحديده من الخصائص. وهذا لا يغني عن التفسير الكيفي الذي يعد ضروري ومهم لتقرير ماذا يجب أن يتجه إليه اهتمام الباحث لعدخ كمياً” ترجمة.

 

 

 

 

وهناك. من لا يرى بأن هناك منهجاً قائماً بذاته يدعي “المنهج الوثائقي” إنما هناك إما منهجاً تاريخياً يطبق عندما يُراد الإجابة عن سؤال عن الماضي من خلال تحليل المصادر التاريخية الأساسية والثانوية. أو منهج البحث المكتبي الذي يطبق عندما يُراد الإجابة عن سؤال عن الحاضر من خلال تحليل المصادر المعاصرة أساسية كانت أم ثانوية.

 

ومن الذين يرون هذا الرأي مقراث (1963) عندما قال” الأدلة العلمية تعد أهم مطلب للباحث، وعلى قدر علمية تلك الأدلة تكون قيمة نتائج البحث ذات قيمة علمية كبيرة”… ويقول عن المنهج التاريخي “إن البحث قد يتطلب أدلة وثائقية للتطور التاريخي للموضوع المراد داراسته، مما يحتم على الباحث الرجوع إلى المصادر الأساسية..”.

 

أما جالفو وميلر (1970) فقد خصصاً فصلاً كاملاً في كتابهما (تفسير البحث التربوي) عن البحث المكتبي.

 

وأخيراً هناك. من يسمى المنهج الوثائقي بالمنهج التحليلي لتمييزه عن المنهج التاريخي.

 

كل هذا الاختلاف في مدلول تلك المصطلحات جاء نتيجة حتمية لإتفاقهم جميعاً في وحدة أداة البحث. فإجابة أسئلة البحث لا تتم إلا من خلال المصادر وتحليلها. أي أن أداة البحث فيها واحدة هي “التحليل الوثائقي”.

 

ولكن يمكن القول بأنه ليس هناك أي مبرر لدمج أي مصطلح من تلك المصطلحات مع الآخر، حيث أنه يمكن التمييز بينها باختلاف أهدافها ووسائلها.

 

– فالمنهج التاريخي: هو ما يمكن به إجابة سؤال عن الماضي من خلال التحليل العلمي للمصادر التاريخية الأساسية والثانوية واستخراج الأدلة البراهين منها بعد تقويمها والتأكد من صحتها وصحة ما تحويه من معلومات.

 

 

 

– أما منهج البحث المكتبي: فمن الخطأ أساساً أن يسمى منهجاً قائماً بذاته لإن استخدام المكتبة أمر لازم وضروري مع كل منهج بحث. فمراجعة الدراسات السابقة، وتحديد الإطار النطري للبحث لا يتوقع أن يقوم بهما الباحث إلا من خلال استخدام المكتبة بغض النظر عن أي منهج يطبقه.

 

– أما المنهج التحليلي: فهو ليس منهجاً قائماً بذاته، وإنما هو أيضاً خطوة من خطوات إعداد أي بحث وفي أي منهج. حيث يقوم الباحث بتحليل ما حصل عليه من معلومات تحليلاً كمياً أو تحليلاً كيفياً.

 

وبعد هذا العرض لمدلول كل مصطلح من المصطلحات السابقة وتوضيح الخلاف بين علماء المنهجية في ذلك، نستطيع أن نحدد مدلول “البحث الوثائقي” كما يراد به هنا بأنه “الجمع المتأني والدقيق للسجلات والوثائق المتوافرة ذات العلاقة بموضوع – مشكلة البحث. ومن ثم التحليل الشامل لمحتوياتها بهدف استنتاج ما يتصل بمشكلة البحث من أدلة وبراهين تبرهن على إجابة أسئلة البحث”.

 

أمثلة للبحوث الوثائقية:

  • اتجاهات عمل المرأة الخليخية من خلال واقع عملها.

فالباحث هنا سوف يقوم بجمع الإحصاءات التي تشتمل على أعداد النساء العاملات في منطقة الخليج حسب المجالات المختلفة التي يعملن بها ومن ثم يقومك بنقدها أي التأكد من صحتها ثم يستنتج منها الأدلة والبراهين التي تجيب على أسئلة البحث.

 

  • لماذا ينتقل المدرس إلى العمل الإداري في المدرسة؟

والباحث هنا أيضاً يقوم بجمع الوثائق التالية:

– طلبات النقل التي تقدم بها المدرسون.

– نظام التدريس من حيث: ساعات العمل، الإجازات، الرواتب، … إلخ.

– نظام العمل الإداري من حيث ساعات العمل، الإجازات، الرواتب.

– الكتب والبحوث التي تناولت مهنة التدريس.

– آراء ووجهات نظر المدرسين التي يدلون بها من خلال وسائل الإعلام المختلفة.

 

 

 

ومن ثم يقوم بنقدها، وبعد أن ينبين له صحتها وصحة محتوياتها يستنتج الأدلة والبراهين التي تجيب على سؤال البحث.

 

  • متى يطبق البحث الوثائقي؟

يطبق البحث الوثائقي لتحقيق واحداً من الأهداف التالية:

  • وصف الظاهرة.
  • توضيح العلاقة ومقدارها.
  • استنتاج الأسباب الكامنة وراء سلوك معين.
  • معرفة الأثر الذي يحدث بفعل عامل الزمن على استجابة أفراد العينة.

 

وواضح أن كل هدف من هذه الأهداف يتحقق أساساً بواسطة تطبيق نوع مستقل من أنواع المنهج الوصفي، إلا أنه أيضاً من الممكن جداً أن يتحقق واحد منها أو أكثر بواسطة البحث الوثائقي، وذلك لأنه يعتمد أساساً على التحليل الكيفي للوثائق بغرض استخراج الأدلة والبراهين التي تبرهن على ما يُراد منها، كأن تبرهن على وصف الظاهرة فقط، أو تبرهن على توضيح العلاقة بين متغيرين.. أو … إلخ.

 

والفرق الوحيد في تحقيق توضيح العلاقة – مثلاً – بين البحث الوثائقي والبحث الإرتباطي، أن البحث الوثائقي يبرهن على وجود العلاقة أو عدمه بأدلة وبراهين وثائقية، أما البحث الإرتباطي فيبرهن على ذلك بأدلة إحصائية [معامل الإرتباط].

 

  • كيف يطبق البحث الوثائقي؟

تشبه خطوات البحث الوثائقي خطوات المنهج التاريخي تماماً والفرق الوحيد بينهما أن خطوات البحث الوثائقي تطبق على مصادر معاصرة أساسية وثانوية، بينما في المنهج التاريخي فهي تطبق على مصادر تاريخية أساسية وثانوية وقد ذكر هيل وي (1969) بأن أهم خطوات البحث الوثائقي هي “تحديد مصادر البحث، وتقويمها خارجياً وداخلياً، ومن ثم تفسيرها”.

 

 

 

 

 

فبعد أن يوضح الباحث مشكلة البحث طبقاً للخطوات التي سبق تفصيلها في الفصل الأول من الباب الأول في هذا الكتاب مشتملاً ذلك التوضيح على ما يلزم توضيحه مما يلي:

  • التمهيد للبحث.
  • تعريف المشكلة وتحديد أسئلة البحث.
  • فروض البحث.
  • أهداف البحث.
  • أهمية البحث.
  • الإطار النظري.
  • قصور البحث.
  • حدود البحث.
  • مصطلحات البحث.

 

وبعد أن يراجع الدراسات السابقة التي تناولت الموضوع أو أحد جوانبه إن كان هناك من دراسات – عبر خطوات مراجعة الدراسات السابقة التي تم تفصيلها في الفصل الثاني من الباب الأول في هذا الكتاب، ليوضح مدى التشابه والاختلاف بينها وبين دراسته، وكذلك جوانب القوة وجوانب الضعف فيها مؤكداً دور بحثه في تلافي الضعف.

 

بعد هذا كله يبدأ بتطبيق الخطوات التالية بالترتيب:

  • تحديد مصادر البحث الأساسية والثانوية: التي تحتوي على المعلومات التي تمكنه من إجابة أسئلة البحث. وهذه المصادر إما أن تكون كتب، أو بحوث في دوريات، أو وثائق، أو سجلات، أو إحصاءات رسمية، أو تقارير… إلخ.

 

  • تقويم مصادر البحث: وذلك بالتأكد من صحة المصدر (النقد الخارجي)، وصحة محتوياته (النقد الداخلي)، حتى لا يستخرج أدلة أو براهين من مصادر مكذوبة، أو من معلومات خاطئة.

 

 

 

 

 

  • تحليل المعلومات: يهدف الباحث من جمعه للمصادر ونقدها إلى الحصول على المعلومات الصحيحة تأليفاً ومحتوي حتى يستطيع أن يستخرج منها أدلة وبراهين صحيحة يجيب بها على أسئلة البحث.

 

وبعد أن تتوافر له تلك المعلومات يقوم بقراءتها قراءة ناقدة واضعاً نصب عينيه كل سؤال من أسئلة البحث. ثم يصنف الحقائق ويوضح العلاقة بينها مستنداً في ذلك إلى ما يستخرجه من أدلة وبراهين تبرهن وتؤكد ما توصل إليه. وبعد ذلك يجيب على أسئلة البحث سؤالاً سؤال مبرهناً إجابته لكل سؤال بما استخرجه من أدلة وبراهين.

 

هذه باختصار هي مرحلة تحليل المعلومات ولكن على الرغم من أنها تبدو سهلة وبسيطة، إلا أنها هي صلب العملية البحثية. ولكن مما يُسهل على الباحث القيام بها على الوجه الأكمل اتباعه للخطوات التي وردت في الفصل الرابع من الباب الأول في هذا الكتاب التي تشتمل على:

 

– مراجعة المعلومات: ويفترض أن الباحث أعطى هذه الخطوة حقها من العناية عند مرحلة النقد والتقويم.

 

– تبويب المعلومات: تبويباً يختاره الباحث ليهيئها من خلاله للتحليل الكيفي كأن يكون التبويب بناء على الفترة الزمنية أي أن يقسم فترة البحث إلى فترات كل واحدة منها تتصف بصفة خاصة مثلاً. وهذا يتطلب من الباحث أن يكون على دراية بأسلوب استخدام البطاقات وتسجيل المعلومات عليها الذي مرَّ تفصيله في الفصل الثاني من الباب الأول في هذا الكتاب.

 

– تفريغ المعلومات: أي وضع كل معلومة في قالب التبويب الملائم لها.

 

– تحليل المعلومات: باستخراج الأدلة والبراهين التي تبرهن على الإجابة العلمية لكل سؤال من أسئلة البحث.

 

 

 

– تفسير المعلومات: بعرض الإجابات التي توصل إليها لإسئلة البحث.

  • ملخص البحث وعرض النتائج والتوصيات: وهذه مرحلة لابد منها مع كل مناهج البحث. وهي تتلخص في جمع أطراف موضوع البحث وإبرازه كل متكامل عبر الخطوات التي سبق تفصيلها في الفصل الخامس من الباب الأول في هذا الكتاب.

 

وهي باختصار:

– ملخص البحث: مشيراً فيه إلى ماذا بحث؟، ولماذا بحثه؟، وكيف بحثه؟، وماذا توصل إليه؟.

– نتائج البحث: طبقاً لأسئلة البحث.

– توصيات الباحث: متأكداً أنها ذات صلة وثيقة بنتائج البحث، وأنها إجرائية يمكن الأخذ بها.

– توصيات لبحوث مستقبلية: متذكراً أن بعض الباحثين من بعده سوف يختارون منها “مشكلات بحثية” يقومون بدراستها.

 

  • المميزات والعيوب:

من أهم ما يمتاز به البحث الوثائقي الشمولية في بحث الظاهرة، فالباحث يصف، ويوضح العلاقة، ويستنتج الأسباب ذات الأثر… في آن واحد. كذلك مما يمتاز به البحث الوثائقي تلافي جوانب القصور التي تعترض بعض أنواع المنهج الوصفي. فالباحث يستنتج أدلته وبراهينه من وثائق كُتبت لا لغرض البحث، وإنما لتحقيق أغراض أخرى، وهذا يؤكد صدقها في توضيح الحقيقة. أيضاً من أهم ما يمتاز به البحث الوثائقي عدم اعتماده على التحليل الكمي، وهذا يجعل منه أسلوب بحث سهل التطبيق من جانب, ومرتبط بالواقع والحقيقة أكثر، من جانب آخر.

 

 

 

 

ولكن هناك بعض العيوب التي ترتبط بالبحث الوثائقي ولعل أهمها على الإطلاق تأثره بذاتية الباحث. حيث يغلب أن يقع الباحث تحت تأثير عوامل ذاتية كثيرة وهو يبحث عن المصادر، أو عندما يقوم بتقويمها ونقدها، أو حتى عند تحليله لها ليستخرج منها الأدلة الوثائقية. فقد لا يبحث إلا عن ما يراه مناسباً من المصادر، وقد يحكم على المصدر ومحتوياته من منظاره هو، وأخيراً قد يغمض عينيه عن بعض الأدلة والحقائق التي لا تتفق مع رأيه أو تؤيد وجهة نظره.

 

إلا أن هذا العيب حقيقة لا يرتبط بالبحث الوثائقي وحده، وإنما يعد من قصور البحوث التي تبحث في الظاهرة الإنسانية ككل.

 

كما أنه يمكن تخفيف أثر هذا العيب بشكل كبير عندما يلتزم الباحث بمنهجية واضحة يدرك وضوحها القاريء، بل يستطيع أن يحكم على مدى التزام البحث بخطواتها.


لتنمية مهاراتك وللحصول على دورات مجانية و منح دراسية و شهادات معتمدة يمكنك التسجيل بـ سيرتيفياند

Comments

comments